تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
بماله لما تعذر عليه بنفسه ، وقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء . ثم قال تعالى : * ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) * . فإن قيل : كيف يصح أن يقال : الجهاد خير من القعود عنه ، ولا خير في القعود عنه . قلنا : الجواب عنه من وجهين : الوجه الأول : أن لفظ * ( خير ) * يستعمل في معنيين : أحدهما : بمعنى هذا خير من ذاك . والثاني : بمعنى أنه في نفسه خير كقوله : * ( إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) * ( القصص : 24 ) وقوله : * ( وإنه لحب الخير لشديد ) * ( العاديات : 8 ) ويقال : الثريد خير من الله ، أي هو خير في نفسه ، وقد حصل من الله تعالى ، فقوله : * ( ذلكم خير لكم ) * المراد هذا الثاني ، وعلى هذا الوجه يسقط السؤال . الوجه الثاني : سلمنا أن المراد كونه خيراً من غيره ، إلا أن التقدير : أن ما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة والدعة والتنعم بهما ، ولذلك قال تعالى : * ( إن كنتم تعلمون ) * لأن ما يحصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ، ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق ، وأن القول بالثواب والعقاب حق وصدق . * ( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد في سبيل الله ، وكان قد ذكر قوله : * ( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) * عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين ، وبين أن أقواماً ، مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد ، تخلفوا في غزوة تبوك ، وبين أنه * ( لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ، يقال : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر . قال الزجاج : فيه محذوف والتقدير : لو كان المدعو إليه سفراً قاصداً ، فحذف