تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
اسم * ( كان ) * لدلالة ما تقدم عليه . وقوله : * ( سفراً قاصداً ) * قال الزجاج : أي سهلاً قريباً . وإنما قيل لمثل هذا قاصداً ، لأن المتوسط ، بين الإفراط ، والتفريط ، يقال له : مقتصد . قال تعالى : * ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ) * ( فاطر : 32 ) وتحقيقه أن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد ، فسمي قاصداً ، وتفسير القاصد : ذو قصد ، كقولهم لابن وتامر ورابح . قوله : * ( ولكن بعدت عليهم الشقة ) * قال الليث : الشقة بعد مسيره إلى أرض بعيدة . يقال : شقة شاقة ، والمعنى : بعدت عليهم الشاقة البعيدة ، والسبب في هذا الاسم أنه شق على الإنسان سلوكها . ونقل صاحب " الكشاف " عن عيسى بن عمر : أنه قرأ * ( بعدت عليهم الشقة ) * بكسر العين والشين . المسألة الثانية : هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ، ومعنى الكلام أنه لو كانت المنافع قريبة والسفر قريباً لاتبعوك طمعاً منهم في الفوز بتلك المنافع ، ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة ، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم ، فلهذا السبب تخلفوا . ثم أخبر الله تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم * ( يحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ) * إما عندما يعاتبهم بسبب التخلف ، وإما ابتداء على طريقة إقامة العذر في التخلف ، ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق . وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " اليمين الغموس تدع الديار بلاقع " . ثم قال : * ( والله يعلم إنهم لكاذبون ) * في قولهم ما كنا نستطيع الخروج ، فإنهم كانوا مستطيعين الخروج . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن قوله : * ( انفروا خفافاً وثقالاً ) * إنما يتناول من كان قادراً متمكناً ، إذ عدم الاستطاعة عذر في التخلف . المسألة الرابعة : استدل أبو علي الجبائي بهذه الآية على بطلان أن الاستطاعة مع الفعل ، فقال : لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً إلى القتال ، ولو كان الأمر كذلك لكانوا صادقين في قولهم : ما كنا نستطيع ذلك ، ولما كذبهم الله تعالى في هذا القول ، علمنا أن الاستطاعة قبل الفعل . واستدل الكعبي بهذا الوجه أيضاً له ، وسأل نفسه لا يجوز أن يكون المراد به : ما كان لهم زاد ولا راحلة ، وما أرادوا به نفس القدرة . وأجاب : إن كان من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج ، فمن لا استطاعة له أولى بالعذر . وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن دون وجود المال ، وإذا أريد به المال ، فإنما يراد لأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن ، فلا معنى لترك الحقيقة من غير ضرورة . وأجاب أصحابنا : بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم على الفعل ، إلا بوقت
تفسير الرازي — صفحة 72 | فخر الدين الرازي