تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
عفا الله عنك ألا حرمة * تعود بعفوك إن أبعدا ألم تر عبداً عدا طوره * ومولى عفا ورشيداً هدى أقلني أقالك من لم يزل * يقيك ويصرف عنك الردى والجواب عن الثاني أن نقول : لا يجوز أن يقال : المراد بقوله * ( لم أدنت لهم ) * الإنكار . لأنا نقول : إما أن يكون صدر عن الرسول ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر عنه ذنب ، فإن قلنا : إنه ما صدر عنه ذنب ، امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله : * ( لم أذنت لهم ) * إنكار عليه ، وإن قلنا : إنه كان قد صدر عنه ذنب ، فقوله : * ( عفا الله عنك ) * يدل على حصول العفو عنه ، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه ، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال : إن قوله : * ( لم أذنت لهم ) * يدل على كون الرسول مذنباً ، وهذا جواب شاف قاطع . وعند هذا ، يحمل قوله : * ( لم أذنت لهم ) * على ترك الأولى والأكمل ، لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا . المسألة الثانية : من الناس من قال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم ، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع . واحتج عليه بأن قوله : * ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) * ( الحشر : 2 ) أمر لأولي الأبصار بالاعتبار والاجتهاد ، والرسول كان سيداً لهم ، فكان داخلاً تحت هذا الأمر ، ثم أكدوا ذلك بهذه الآية فقالوا : إما أن يقال إنه تعالى أذن له في ذلك الإذن أو منعه عنه ، أو ما أذن له فيه وما منعه عنه والأول باطل ، وإلا امتنع أن يقول له لم أذنت لهم . والثاني باطل أيضاً ، لأن على هذا التقدير يلزم أن يقال إنه حكم بغير ما أنزل الله فيلزم دخوله تحت قوله : * ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) * ( المائدة : 44 ) * ( أولئك هم الظالمون ) * ( المائدة : 45 ) * ( أولئك هم الفاسقون ) * ( المائدة : 47 ) وذلك باطل بصريح القول . فلم يبق إلا القسم الثالث ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة من تلقاء نفسه ، فإما أن يكون ذلك مبنياً على الاجتهاد أو ما كان كذلك ، والثاني باطل ، لأنه حكم بمجرد التشهي وهو باطل لقوله تعالى : * ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ) * ( مريم : 59 ) فلم يبق إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة ، بناء على الاجتهاد ، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد . فإن قيل : فهذا بأن يدل على أنه لا يجوز له الحكم بالاجتهاد أولى ، لأنه تعالى منعه من هذا الحكم بقوله : * ( لم أذنت لهم ) * . قلنا : إنه تعالى ما منعه من ذلك الإذن مطلقاً لأنه قال : * ( حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) * والحكم الممدود إلى غاية بكلمة حتى يجب انتهاؤه عند حصول تلك الغاية ، فهذا يدل على صحة قولنا .