تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
لم يتعرضوا له البتة ، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم ، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد صلى الله عليه وسلم أشد من خوف علي كرم الله وجهه ، فكانت تلك الدرجة أفضل وأكمل . هذا ما نقوله في هذا الباب على سبيل الاختصار . أما قوله تعالى : * ( وأيده بجنود لم تروها ) * فاعلم أن تقدير الآية أن يقال : * ( إلا تنصروه ) * فلا بد له ذلك بدليل صورتين . الصورة الأولى : أنه قد نصره في واقعة الهجرة * ( إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه ) * . والصورة الثانية : واقعة بدر ، وهي المراد من قوله : * ( وأيده بجنود لم تروها ) * لأنه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر ، وأيد رسوله صلى الله عليه وسلم بهم ، فقوله : * ( وأيده بجنود لم تروها ) * معطوف على قوله : * ( فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ) * . ثم قال تعالى : * ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ) * والمعنى أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة ، وكلمة الله هي العليا ، وهي قوله لا إله إلا الله . قال الواحدي : والاختيار في قوله : * ( وكلمة الله ) * الرفع ، وهي قراءة العامة على الاستئناف ، قال الفراء ، ويجوز * ( كلمة الله ) * بالنصب ، ولا أحب هذه القراءة لأنه لو نصبها لكان الأجود أن يقال : وكلمة الله العليا ، ألا ترى أنك تقول أعتق أبوك غلامك ، ولا تقول أعتق غلامه أبوك . ثم قال : * ( والله عزيز حكيم ) * أي قاهر غالب لا يفعل إلا الصواب . * ( انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما توعد من لا ينفر مع الرسول ، وضرب له من الأمثال ما وصفنا ، أتبعه بهذا الأمر الجزم . فقال : * ( انفروا خفافاً وثقالاً ) * والمراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد أو على الصفة التي يثقل ، وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة . والمفسرون ذكروها . فالأول : * ( خفافاً ) * في النفور لنشاطكم له * ( وثقالاً ) * عنه لمشقته عليكم . الثاني : * ( خفافاً ) * لقلة عيالكم * ( وثقالاً ) *