تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
فإذا قالوا : إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك في قوله : * ( لا تخف ) * ليفيد الأمن ، وفراغ القلب . قلنا لهم في هذه المسألة كذلك . فإن قالوا : أليس إنه تعالى قال : * ( والله يعصمك من الناس ) * ( المائدة : 67 ) فكيف خاف مع سماع هذه الآية ؟ فنقول : هذه الآية إنما نزلت في المدينة ، وهذه الواقعة سابقة على نزولها ، وأيضاً فهب أنه كان آمناً على عدم القتل ، ولكنه ما كان آمناً من الضرب ، والجرح والإيلام الشديد . والعجب منهم ، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفاً ، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء ، ولما خاف وبكى قالوا : هذا السؤال الركيك ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق ، وإنما مقصودهم محض الطعن ! والجواب عن الثاني : أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية ، فإن أبا بكر لو كان قاصداً له ، لصالح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار ، وقال لهم نحن ههنا ، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه ، فنسأل الله العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك . والجواب عن الثالث من وجوه : الأول : أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله طاعة عظيمة ومنصب رفيع ، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضراً في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلي كان غائباً ، والحاضر أعلى حالاً من الغائب . الثاني : أن علياً ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة ، أما بعدها لما عرفوا أن محمداً غاب تركوه ، ولم يتعرضوا له . أما أبو بكر ، فإنه بسبب كونه مع محمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة ، فكان بلاؤه أشد . الثالث : أن أبا بكر رضي الله عنه كان مشهوراً فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة والسلام ويدعوهم إليه ، وشاهدوا منه أنه دعا جمعاً من أكابر الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك الدين ، وأنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته ، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان ، وكان يذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال . وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن ، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل والحجة ، ولا جهاد بالسيف والسنان ، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة ، فحال الهجرة ما ظهر منه شيء من هذه الأحوال ، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم على علي ، ولهذا السبب ، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي