تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
جملين ورحلين وكسوتين ، ويفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام . فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين ، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام فألبس رسول الله ثوبه ، ليعرفوا أن الرسول هو هو ، فلما دنوا خروا له سجداً فقال لهم : " اسجدوا لربكم وأكرموا أخاً لكم " ثم أناخت ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه الروايات من تفسير أبي بكر الأصم . الوجه الثاني عشر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر ، والأنصار ما رأوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً إلا أبا بكر ، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في السفر والحضر ، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا : لما لم يحضر معه في ذلك السفر أحد إلا أبو بكر ، فلو قدرنا أنه توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر ، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي والتنزيل في ذلك الطريق إلى أمته إلا أبو بكر ، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات الرفيعة لأبي بكر . واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين : فالأول : قالوا إنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر : " لا تحزن " فذلك الحزن إن كان حقاً فكيف نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه ؟ وإن كان خطأ ، لزم أن يكون أبو بكر مذنباً وعاصياً في ذلك الحزن ، والثاني : قالوا يحتمل أن يقال : إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه ، وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه ، فأخذه مع نفسه دفعاً لهذا الشر . والثالث : وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر علياً بأن يضطجع على فراشه ، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء ، فهذا العمل من علي ، أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحباً للرسول ، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب . والجواب عن الأول : أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة ، قال : فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام : * ( لا تخف إنك أنت الأعلى ) * ( طه : 68 ) أن يدل على أنه كان عاصياً في خوفه ، وذلك طعن في الأنبياء ، ويجب في قوله تعالى في إبراهيم ، حيث قالت الملائكة له : * ( لا تخف ) * في قصة العجل المشوي مثل ذلك ، وفي قولهم للوط : * ( لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك ) * ( العنكبوت : 33 ) مثل ذلك .