تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
الماء في اللبن ، وقيل للناقة : نسأتها ، أي زجرتها ليزداد سيرها وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسئ قال الواحدي : الصحيح القول الأول ، وهو أن أصل النسئ التأخير ، ونسأت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها ، ونسأت الناقة أي أخرتها عن غيرها ، لئلا يصير اختلاط بعضها ببعض مانعاً من حسن المسير ، ونسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر الماء فيه . إذا عرفت هذين القولين فنقول : إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية ، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء ، وكان يشق عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات ، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة ، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية ، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين ، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران : أحدهما : أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهراً بسبب اجتماع تلك الزيادات . والثاني : أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره ، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر ، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة ، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران : أحدهما : الزيادة في عدة الشهور . والثاني : تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر وقد بينا أن لفظ النسئ يفيد التأخير عند الأكثرين ، ويفيد الزيادة عند الباقين ، وعلى التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين . والحاصل من هذا الكلام : أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل مصالح الدنيا ، وبناؤها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا والله تعالى أمرهم من وقت إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمرية ، فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمرية ، واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا ، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم ، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سبباً لزيادة كفرهم ، وإنما كان ذلك سبباً لزيادة الكفر ، لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم ، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر ، وذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب ، وأن إيقاعه في الشهور القمرية غير واجب ، فكان هذا إنكاراً منهم لحكم الله مع العلم به وتمرداً عن طاعته ، وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين . فثبت أن عملهم في ذلك النسئ يوجب زيادة في الكفر ، وأما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادة الحاصلة بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات ، وأما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب