تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
الثالث : قال الفراء : الأولى رجوعها إلى الأربعة ، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة * ( فيهن ) * فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها : والأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ، ويكنى عن جمع الكثرة ، كما يكنى عن واحدة مؤنثة ، كما قال حسان بن ثابت : لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما قال : يلمعن ويقطرن ، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ، ولو جمع جمع الكثرة لقال : تلمع وتقطر ، هذا هو الاختيار ، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب فقال بهن والسيوف جمع كثرة . البحث الثاني : في تفسير هذا الظلم أقوال : الأول : المراد منه النسئ الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى شهر آخر ، ويغيرون تكاليف الله تعالى . والثاني : أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر . والثالث : أنه نهى عن جميع المعاصي بسبب ما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب والعقاب ، والأقرب عندي حمله على المنع من النسئ ، لأن الله تعالى ذكره عقيب الآية . ثم قال : * ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) * وفيه مباحث : البحث الأول : قال الفراء : * ( كافة ) * أي جميعاً ، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال فنقول : كافين ، أو كافات للنساء ولكنها * ( كافة ) * بالهاء والتوحيد ، لأنها وإن كانت على لفظ فاعلة فإنها في ترتيب مصدر مثل الخاصة والعامة ، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام ، لأنها في مذهب قولك قاموا معاً ، وقاموا جميعاً . وقال الزجاج : كافة منصوب على الحال ، ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع ، كما أنك إذا قلت : قاتلوهم عامة ، لم تثن ولم تجمع ، وكذلك خاصة . البحث الثاني : في قوله : * ( كافة ) * قولان : الأول : أن يكون المراد قاتلوهم بأجمعهم مجتمعين على قتالهم ، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة ، يريد تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتخاذلوا ولا تتقاطعوا وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء . والثاني : قال ابن عباس : قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال ، كما أنهم يستحلون قتال جميعكم ، والقول الأول أقرب حتى يصح قياس أحد الجانبين على الآخر . البحث الثالث : ظاهر قوله : * ( قاتلوا المشركين كافة ) * إباحة قتالهم في جميع الأشهر ، ومن الناس من يقول : المقاتلة مع الكفار محرمة ، بدليل قوله : * ( منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) * أي فلا