تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
البقاع بمزيد التعظيم والاحترام . ثم قال تعالى : * ( ذلك الدين القيم ) * وفيه بحثان : البحث الأول : أن قوله : * ( ذلك ) * إشارة إلى قوله : * ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ) * لا أزيد ولا أنقص أو إلى قوله : * ( منها أربعة حرم ) * وعندي أن الأول أولى ، لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم ، إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهراً ، وكانوا يغيرون مواقع الشهور ، والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء ، فوجب حمل اللفظ عليه . البحث الثاني : في تفسير لفظ الدين وجوه : الأول : أن الدين قد يراد به الحساب . يقال : الكيس من دان نفسه أي حاسبها ، والقيم معناه المستقيم . فتفسير الآية على هذا التقدير ، ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل المستوفى . الثاني : قال الحسن : ذلك الذين القيم الذي لا يبدل ولا يغير ، فالقيم ههنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير ، الدائم الذي لا يزول ، وهو الدين الذي فطر الناس عليه . الثالث : قال بعضهم : المراد أن هذا التعبد هو الدين اللازم في الإسلام . وقال القاضي : حمل لفظ الدين على العبادة أولى من حمله على الحساب ، لأنه مجاز فيه ، ويمكن أن يقال : الأصل في لفظ الدين الانقياد . يقال : يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، فالحساب يسمى ديناً ، لأنه يوجب الانقياد ، والعدة تسمى ديناً ، فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب . قال أهل العلم : الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة ، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية . ثم قال تعالى : * ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) * وفيه بحثان : البحث الأول : الضمير في قوله : * ( فيهن ) * فيه قولان : الأول : وهو قول ابن عباس : أن المراد : فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم ، والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقاً في جميع العمر . والثاني : وهو قول الأكثرين : أن الضمير في قوله : * ( فيهن ) * عائد إلى الأربعة الحرم . قالوا : والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات ، والدليل على أن هذا القول أولى وجوه : الأول : أن الضمير في قوله : * ( فيهن ) * عائد إلى المذكور السابق . فوجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله : * ( منها أربعة حرم ) * الثاني : أن الله تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله : * ( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) * فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضاً ، إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيهاً على زيادتها في الشرف .
تفسير الرازي — صفحة 53 | فخر الدين الرازي