تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
هذا التأخير وجهاً آخر فقالوا : إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة ، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها وقالوا : إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئاً لنهلكن ، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم . قال الواحدي : وأكثر العلماء على أن هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد ، بل كان ذلك حاصلاً في كل الشهور ، وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه . واتفقوا أنه عليه السلام لما أراد أن يحج في سنة حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر ، فقال عليه السلام : " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض السنة إثنا عشر شراً " وأراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( زيادة في الكفر ) * معناه : أنه تعالى حكى عنهم أنواعاً كثيرة من الكفر ، فلما ضموا إليها هذا العمل ونحن قد دللنا على أن هذا العمل كفر . كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفاً من الكفر زيادة في الكفر . احتج الجبائي بهذه الآية على فساد قول من يقول : الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار ، قال : لأنه تعالى بين أن هذا العمل زيادة في الكفر والزيادة على الكفر يجب أن تكون إتماماً ، فكان ترك هذا التأخير إيماناً ، وظاهر أن هذا الترك ليس بمعرفة ولا بإقرار . فثبت أن غير المعرفة والإقرار قد يكون إيماناً قال المصنف رضي الله عنه : هذا الاستدلال ضعيف ، لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلاً من الأشهر القمرية ، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية ، فربما وقع الحج في المحرم مرة وفي صفر أخرى . فقولهم : بأن هذا الحج صحيح يجزى ، وأنه لا يجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة كونه من دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فكان هذا كفراً بسبب عدم العلم وبسبب عدم الإقرار . أما قوله تعالى : * ( يضل به الذين كفروا ) * فهذا قراءة العامة وهي حسنة لإسناد الضلال إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن إسناد الضلال إليهم ، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضاً ، لأن المضل لغيره ضال في نفسه لا محال . وقراءة أهل الكوفة * ( يضل ) * بضم الياء وفتح الضاد ، ومعناه : أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور ، فأسند الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية : * ( زين لهم سوء أعمالهم ) * أي زين لهم ذلك حاملوهم عليه . وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم * ( يضل به الذين كفروا ) * بضم الياء وكسر الضاد وله ثلاثة أوجه :