تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
أَرَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ الاَْخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الاَْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفاء وفضائحهم ، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم وقال : * ( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) * وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسباباً كثيرة موجبة لقتالهم ، وذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم كقوله : * ( يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ) * ( التوبة : 14 ) وذكر أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا ، وعند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة . فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه . المسألة الثانية : المروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، وذلك لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم ، وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت ، واستعظموا غزو الروم وهابوه ، فنزلت هذه الآية . قال المحققون : وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه : أحدها : شدة الزمان في الصيف والقحط . وثانيها : بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات . وثالثها : إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت . ورابعها : شدة الحر في ذلك الوقت . وخامسها : مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو . والله أعلم . المسألة الثالثة : يقال : استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفراً ونفوراً ، إذا حثهم ودعاهم إليه ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا استنفرتم فانفروا " وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب ، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير ، ومنه قولهم : فلان لا في العير ولا في النفير . وقوله : * ( اثاقلتم إلى الأرض ) * أصله تثاقلتم ، وبه قرأ الأعمش ومعناه : تباطأتم ونظيره قوله : * ( ادارأتم ) * وقوله : * ( اطيرنا بك ) * قال صاحب " الكشاف " : وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بإلى ، والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ، ونظيره * ( أخلد إلى الأرض واتبع هواه ) * ( الأعراف : 176 ) وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها ، وقوله : * ( مالكم إذا قيل لكم ) * ( التوبة : 38 ) وإن كان في الظاهر استفهاماً إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار . ثم قال تعالى : * ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) * والمعنى كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال ، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي