ويجوز تعدّد المؤذّنين ، ولا حرج في الزيادة على اثنين ، خلافاً لما نقل عن أبي عليّ ابن الشيخ حيث منع منه محتجّاً بإجماع أصحابنا ( 1 ) ، ولوالده في الخلاف حيث قال : لا ينبغي معلَّلًا بأنّ الأذان الثالث بدعة ( 2 ) . ولا دلالة فيه إذ لا يعدّ هذا ثالثاً . ثمّ إن كانوا متبرّعين أو يأخذون الرزق من بيت المال ، أذّنوا جميعاً ( ومع ) الاكتفاء بواحد و ( التشاحّ يقدّم الأعلم ) بالأوقات وأحكام الأذان لأمن الغلط معه ، وتقليد أرباب الأعذار له . وظاهر العبارة عدم الترجيح بالعدالة ، اللَّهمّ إلا أن يتكلَّف رجوعها إلى أحكام الأذان ، فإنّها من سننه ، وهي أحد أحكامه . والأولى تقديم العدل على الفاسق ، والمبصر على الأعمى ، وجامع الصفات أو أكثرها على فاقدها وجامع الأقلّ ، فإن استووا ، فالأشدّ محافظةً على الوقت على مَنْ ليس كذلك ، والأندى صوتاً والأعفّ عن النظر ثمّ مَنْ يرتضيه الجيران . ( ومع التساوي ) في جميع ذلك ( يقرع ) لقول النبيّ : « لو يعلم الناس ما في الأذان والصفّ الأوّل ثمّ لم يجدوا إلا أن يسهموا عليه لفعلوا » ( 3 ) ولقولهم « : « كلّ أمر مجهول فيه القرعة » ( 4 ) . ( ويجوز ) مع الاجتماع ( أن يؤذّنوا دفعةً ) واحدة . ويتعيّن ذلك مع ضيق الوقت حقيقةً أو حكماً باجتماع الإمام والمأمومين . ( والأفضل ) مع اتّساع الوقت ( أن يؤذّن كلّ واحد بعد فراغ الآخر ) . والمراد بالمأمومين الذين يعدّ انتظارهم سعة ما يرجى حضورهم عادةً ، فلا ينتظر غيرهم بمجرّد الإمكان . واعلم أنّ إطلاق العبارة يقتضي فرض التشاحّ بين المؤذّنين وإن تطوّعوا ، ويؤيّده الخبر المذكور من قوله عليه السلام : « لو يعلم الناس ما في الأذان » إلا أن يقال : لا منافاة بين أخذ الرزق والثواب مع الإخلاص ، وفي فرضه مع التطوّع بُعْد لإمكان أذان الجميع مترتّبين أو
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج ) — صفحة 658
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٦٥٨
هامش
( 1 ) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 3 : 221 .
( 2 ) الخلاف 1 : 290 ، مسألة 35 .
( 3 ) صحيح البخاري 1 : 222 / 590 صحيح مسلم 1 : 325 / 437 سنن النسائي 2 : 23 مسند أحمد 2 : 470 / 7185 .
( 4 ) الفقيه 3 : 52 / 174 التهذيب 6 : 240 / 593 بتفاوت يسير ، ونصّه في جامع المقاصد 2 : 179 .