اختيارا ، وبسطها لغيره احتقارا ، فأعرض عنها بقلبه ، وأمات ذكرها عن
نفسه ، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتخذ منها رياشا أو يرجو فيها
مقاما ، بلغ عن ربه معذرا ، ونصح لأمته منذرا ، ودعا إلى الجنة مبشرا ( 1 ) " !
" بعثه شهيدا وبشيرا ونذيرا ، بالنور المضئ والبرهان الجلي والمنهاج
البادي والكتاب الهادي ، أسرته خير أسرة ، وشجرته خير شجرة ، أغصانها
معتدلة ، وثمارها متهدلة ، مولده بمكة ، وهجرته بطيبة ( 2 ) علا بها ذكره ، وامتد بها
صوته ، أرسله بحجة كافية ، وموعظة شافية ، ودعوة متلافية ، أظهر به الشرائع
المجهولة ، وقمع به البدع المدخولة ، وبين به الأحكام المفصولة ، فمن يتبع غير
الإسلام دينا ، تتحقق شقوته ، وتنفصم عروته ، وتعظم كبوته ، ويكون مآبه
إلى الحزن الطويل ، والعذاب الوبيل ( 3 ) " !
" أرسله على حين فترة من الرسل ، وطول هجعة من الأمم ، فجاءهم بتصديق
الذي بين يديه ، والنور المقتدى به ، ذلك القرآن ، فيه علم ما يأتي ، والحديث عن
الماضي ، ودواء دائكم ، ونظم ما بينكم ( 4 ) " !
صلى الله على محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم ، " اللهم أقسم له مقسما من عدلك ،
واجزه مضاعفات الخير من فضلك ! اللهم أعل على بناء البانين بناءه ، وأكرم
لديك نزله ، وشرف عندك منزلته ، وآته الوسيلة ، واعطه السناء والفضيلة ،
واحشرنا في زمرته ، غير خزايا ولا نادمين ، ولا ناكبين ولا ناكثين ، ولا ضالين
ولا مضلين ، " فهو أمينك المأمون ، وشهيدك يوم الدين ، وبعيثك نعمة ،
ورسولك بالحق رحمة ( 5 ) " !
هامش
( 1 ) راجع ص 232 من نهج البلاغة ج 1 .
( 2 ) المدينة المنورة .
( 3 ) راجع ص 315 و 316 من نهج البلاغة ج 1
( 4 ) راجع ص 305 من نهج البلاغة ج 1
( 5 ) راجع ص 221 من نهج البلاغة ج 1