شرح
ما دل على التنصيف أعم مطلقاً من الزنا والسحق ، وما دل على أنه تحدّ كل منهما مائة جلدة مطلق من جهة الحرية والرقية ، فيقع التعارض في الأمة ، فمقتضى ما دل على التنصيف هو الجلد خمسين ، ومقتضى ما دل على أن الحدّ الجلد مائة جلدة هو الجلد مائة ، وفي مورد المعارضة يكون الترجيح مع ما دل على أن الجلد هو مائة جلدة ، للتأييد بالشهرة الفتوائية ، والمرسل في بعض الكتب عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « السحق في الناس كاللواط في الرجال ولكن فيه جلد مائة ، لأنه ليس فيه إيلاج » ( 1 ) .
وفيه : أنّ الشهوة الفتوائية لا تكون مؤيدة ، والمرسل غير ثابت ، ولا أثر للتأييد بما هو غير ثابت ، بل لا يمكن التأييد به حتى على فرض الثبوت ، لما تقدم من أن الحكم في اللواط هو التنصيف أيضاً . على أنه لا معارض لما دل على أن الحدّ ينصف في غير الحرّ ولا اختصاص له بالزنا ، بل هو مقدم على الاطلاقات في مورد الاجتماع ( 2 ) .
هامش
( 1 ) دعائم الاسلام 2 : 456 / 1603 .
( 2 ) وجه التقديم : هو ما تقدم من السيد الأستاذ مراراً ، من أنه لو تعارض العامان من وجه ، كما لو دل دليل على أن ما لا يؤكل لحمه فبوله وخرؤه نجس ، ودليل دليل آخر على أن بول الطائر وخرءه طاهر ، فيتعارضان في بول الخشاف وخرئه ، فمقتضى الدليل الأول نجاسته ، ومقتضى الدليل الثاني طهارته ، فلو قدمنا دليل النجاسة فمعنى ذلك إلغاء خصوصية الطائر ، وهو خلاف الظاهر . بخلاف ما لو قدمنا دليل طهارة بول الطائر وخرئه ، فإنه لا نلغى الخصوصية التي لها دخل في الموضوع بمقتضى ظاهر الدليل .
وكذا لو تعارض إطلاق ما دل على عدم انفعال الكر بالنجاسة أو المتنجس مع إطلاق دليل ماء النهر يطهر بعضه بعضاً ، فان مقتضى الدليل الأول نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة أو المتنجس ، ومقتضى إطلاق دليل ماء النهر يطهر بعضه بعضاً عدم الفرق بين أن يكون ماء النهر كراً أو لا ، فيتعارضان في النهر الصغير الجاري غير الكر ، فمقتضى الدليل الأوّل انفعاله ، ومقتضى الدليل الثاني عدم انفعاله ، ولكن لا بد من تقديم الدليل الثاني ، إذ لو قدمنا الأول وحكم بنجاسته بالملاقاة فلا تبقى خصوصية لماء النهر ، ومعنى ذلك أن ماء النهر كغيره يتنجس بالملاقاة ، وهو خلاف الظاهر ، وعليه فيقدم دليل الخصوصية .
فكذا في المقام ، لو قدمنا ما دل على أنها - أي الأمة - تحد مائة جلدة فيلزم من ذلك إلغاء خصوصية الأمة ، ومعناه أن الأمة كغيرها ، وهو خلاف ظاهر الدليل ، فان ظاهر الدليل أن للخصوصية دخلاً في الموضوع ، بخلاف ما لو قدمنا ما دل على التنصيف في الأمة فإنه يحافظ على الخصوصية ، ولا يوجب أي محذور .
إذن فلا بد من تقديم دليل الخصوصية في مورد المعارضة ، ويكون الترجيح معها ، لا مع ما دل على أن الجلد هو مائة .