العجوة ( 1 ) ؛ وإنما بقيت عليكم الآن عقبة ؛ أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه الشّاء ، ولكن أقول هذا بالنظر لكم . وكان يقول لهم : كلوا الباقلاء بقشوره ، فإن الباقلاء يقول : من أكلني بقشوري فقد أكلني ، ومن لم يأكلني بقشوري فأنا آكله ؛ فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما لطعامكم ، وأكلا لما جعل أكلا لكم . قال : وحمّ هو وعياله فلم يقدروا على أكل الخبز ، فربح أقواتهم في تلك الأيام ؛ ففرح وقال : لو كان في منزل سوق الأهواز ونطاة ( 2 ) خيبر رجوت أن أستفضل في كلّ سنة مائة دينار . قال : ودعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في [ شهر رمضان ] ( 3 ) ، فلما وضعت المائدة أقبل عليهم ثم قال لهم : لا تعجلوا ، فإنّ العجلة من عمل الشيطان . ثم وقف وقفة ثم قال : وكيف لا تعجلون والله تعالى يقول : * ( وكانَ الإِنْسانُ عَجُولًا ) * ( 4 ) . اسمعوا ما أقول لكم ، فإن فيه حسن المؤاكلة والتبعّد من الأثرة ، والعاقبة الرشيدة ، والسيرة المحمودة : إذا مدّ أحدكم يده ليستقي ماء فأمسكوا أيديكم حتى يفرغ ، فإنكم تجمعون عليه خصالا : منها أنكم تنغّصون عليه في شربه ، ومنها أنه إذا أراد اللَّحاق بكم فلعلَّه يتسرّع إلى لقمة حارّة فيموت ، وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص وعلى عظم اللقم . ولهذا قال بعضهم وقد قيل له : لم تبدأ بأكل اللحم ؟ قال : لأن اللَّحم ظاعن والثريد مقيم . وأنا وإن كان الطعام طعامي فإني كذلك أفعل ؛
عيون الأخبار — صفحة 280
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٨٠
هامش
( 1 ) العجوة : ضرب من أجود التّمر بالمدينة ونخلتها تسمّى لينة .
( 2 ) يريد بسوق الأهواز : كورها وهي كثيرة الحمّى ووجوه أهلها مصفرّة مغبّرة ونطاة خيبر : قصبتها ، وهي مشهورة بالحمّى أيضا .
( 3 ) ما بين القوسين زيادة عن كتاب البخلاء للجاحظ .
( 4 ) سورة الإسراء الآية 11 .