تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨

الجدى إنما هو شيء من آيين ( 1 ) الموائد الرّفيعة ، وإنما جعل كالقافية وكالخاتمة وكالعلامة لليسر والفراغ ، ولم يحضر للتفريق والتخريب ، وأن أهله لو أرادوا به سوءا لقدّموه لتقع الحدّة به ؛ ولذلك قال أبو الحارث جمّيز ( 2 ) حين رآه لا يمسّ : هذا المدفوع عنه . ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة ( 3 ) ، ويدعها كلّ واحد لصاحبه ، وأنت اليوم إذا أردت أن تمتّع عينيك بنظرة واحدة منها ومن بيضة السّلَّاءة ( 4 ) لم تقدر على ذلك . وكان يقول : الآدام أعداء الخبز ، وأعداها له المالح ؛ فلو لا أن اللَّه أعان عليها بالماء وطلب آكله له لأتى على الحرث والنّسل . وكان يقول : ما بال الرجل إذا قال : اسقني ماء أتاه بقلَّة على قدر الرّيّ ( 5 ) أو أصغر ، وإذا قال ؛ أطعمني شيئا أو هات لفلان طعاما ، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة ، والطعام والشّراب أخوان . أما إنه لولا رخص الماء وغلاء الخبز لما كلبوا ( 6 ) على الخبز وزهدوا في الماء ؛ والناس أشدّ شيء تعظيما للمأكول إذا كثر ثمنه وكان قليلا في منبته وعنصره . هذا الجزر الصافي والباقلاء الأخضر أطيب من كمّثرى خراسان والموز البستاني ، وهذا

هامش
( 1 ) آيين : العادة .
( 2 ) في الأصل والبخلاء للجاحظ : جمين ، وورد في القاموس وشرحه في مادة « ج م ن » « أبو الحارث جمين ، كقبيط المديني ، وهو صاحب النوادر والمزاح ، والصواب بالزّي المعجمة في آخره ، أنشد أبو بكر بن مقسم : إنّ أبا الحارث جميزا * قد أوتي الحكمة والميزا
( 3 ) بيضة البقيلة : هي من عيون الأطعمة ولا تستحسن المبادرة إليها .
( 4 ) السلاءة : ضرب من الطير أغبر طويل الرجلين .
( 5 ) الرّي : الشراب الذي يرتوي منه الإنسان .
( 6 ) كلبوا : يقال : تكالبوا على الشيء : أي تزاحموا .