ضاف رجل من كلب أبا الرّمكاء الكلبيّ ، ومع الرجل فضلة من حنطة ، فراحت معزى أبي الرّمكاء ، فحلب وشرب ، ثم حلب وسقى ابنه ، ثم حلب وسقى امرأته ؛ فقال الرجل : ألا تسقون ضيفكم ؟ فقال أبو الرّمكاء : ما فيها فضل ؛ فاستخرج الرجل ما في عكمه ( 1 ) من طعام وقال : هل من رحى ؟ فأسرعوا بها نحوه ، فطحن وعجن وأوقد خبزته وأخرجها فنفضها ، فإذا رسول أبي الرمكاء يقول : يقول لك أبو الرمكاء : لا عهد لنا بالخبز ؛ فقال الرجل : ما فيها فضل ، ثم أكل وارتحل ، وقال : [ طويل ]
وبات أبو الرّمكاء لم يسق ضيفه * من المحض ما يطوي عليه فيرقد ( 2 ) فقمت إلى حنّانة فوق أختها * ونار وباتت وهي تورى وتوقد
فلما نفضت الخبز بالعود أقبلت * رسائل تشكي الجوع والحيّ سهّد
وقال أبو الرّمكاء بالخبز عهده * قديم له حول كريب مطرّد ( 3 ) فقلت ألا لا فضل فيها لباخل * ولا مطمع حتى يلوح لنا الغد
فبات أبو الرّمكاء من فرط ريحها * يئنّ كما أنّ السليم المسهّد ( 4 )
ذكر أعرابيّ قوما فقال : ألغوا من الصلاة الأذان ، مخافة أن تسمعه الآذان ، فيهلّ عليهم الضّيفان .
وقال بعضهم في ذلك : [ وافر ]
أقاموا الدّيدبان على يفاع * وقالوا لا تنم للدّيدبان ( 5 ) فإن أبصرت شخصا من بعيد * فصفّق بالبنان على البنان
هامش
( 1 ) العكم : ما يبسط من الثياب ويجعل فيه المتاع .
( 2 ) المحض : اللبن الخالص ، يطوي : من الطوي وهو الجوع ، أي يسدّ به جوعه .
( 3 ) الكريب : المكروب الذي اشتدّ غمّه .
( 4 ) السليم : اللديغ ، وسمّيّ سليما تيمّنا بالسلامة وهو من الأضداد .
( 5 ) الدّيدبان : الرّقيب ، والحارس ، واليفاع : المرتفع من الأرض .