تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠

خشب وقضبان ، أمّا ما خفّ فيحمل حملا ، وأمّا ما ثقل فيدحرج ، فوضعت أمامنا وتحلَّق القوم حلقا حلقا ، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا ، فظننتها ثيابا وهممت عندها أن أسأل القوم خرقا أقطع منها قميصا ، وذلك أني رأيت نسجا متلاحكا ( 1 ) لا تبين له سدى ( 2 ) ولا لحمة ؛ فلما بسط القوم أيديهم إذا هو يتمزّق سريعا وإذا هو فيما زعموا صنف من الخبز لا أعرفه . ثم أتينا بطعام كثير من حلو وحامض وحارّ وبارد ، فأكثرت منه وأنا لا أعرف ما في عقبه من التّخم والبشم ( 3 ) . ثم أتينا بشراب أحمر في عساس ( 4 ) ، فلما نظرت إليه قلت : لا حاجة لي فيه ، أخاف أن يقتلني . وكان في جانبي رجل ناصح لي - أحسن اللَّه جزاءه - كان ينصح لي من بين أهل المجلس ، فقال : يا أعرابيّ ، إنك قد أكثرت من الطَّعام ، وإن شربت الماء انتفخ بطنك - فلما ذكر البطن تذكرت شيئا كان أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي : قالوا : لا تزال حيّا ما دام شديدا ( يعني البطن ) فإذا اختلف فأوص - فلم أزل أتداوى به ولا أملّ من شربه ، فتداخلني - نالك الخير - صلف ( 5 ) لا أعرفه من نفسي ، وبكاء لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله ، واقتدار على أمر أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلغته ولو ساورت ( 6 ) الأسد لقتلته ، وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدّثني نفسي بهتم أسنانه ( 7 ) وهشم أنفه ، وأهمّ أحيانا بأن أقول له : يا بن

هامش
( 1 ) المتلاحك : المتداخل بعضه ببعض ، والمتلاحم .
( 2 ) السّدى : ضد اللحمة ، وهي الفرجة .
( 3 ) البشم : التخمة من الأكل .
( 4 ) عساس : جمع عسّي ، وهو الزّق .
( 5 ) الصّلف : مجاوزة قدر الظَّرف والادعاء فوق ذلك تكبّرا .
( 6 ) ساورت الأسد : غالبته من المساورة .
( 7 ) هتم أسنانه : قلعها ، وهتم السنّ : تحرك وقلق .