قيل للحارثيّ : لم لا تؤاكل الناس ؟ فقال : لو لم أترك مؤاكلتهم إلا لنزوعي عن الأسواريّ لتركتها ، ما ظنّكم برجل نهش بضعة لحم بقر فانقلع ضرسه وهو لا يدري . وكان إذا أكل ذهب عقله وجحظت ( 1 ) عيناه وسكر وسدر ( 2 ) وتربّد ( 3 ) وجهه وغضب ولم يسمع ولم يبصر ، فلما رأيته وما يعتريه ويعتري الطعام منه صرت لا آذن له إلا ونحن نأكل الجوز والتمر والباقلَّى ( 4 ) ؛ ولم يفجأني قطَّ وأنا آكل تمرا إلا استفّه ( 5 ) سفّا وزدا ( 6 ) به زودا ، ولا وجده كنيزا ( 7 ) إلا وتناول القطعة منه كجمجمة الثّور كدمها ( 8 ) كدما ، ونهشها طولا وعرضا ، ورفعا وخفضا ، حتى يأتي عليها ؛ ثم لا يقع عضّه إلا على الأنصاف والأثلاث ؛ ولا رمى بنوان قطَّ ، ولا نزع قمعا ( 9 ) ، ولا نفى عنه قشرا ، ولا فتّشه مخافة السوس والدود . وقال بعض الشعراء : [ وافر ]
تبيت تدهده القرّان حولي * كأنّك عند رأسي عقربان ( 10 ) فلو أطعمتني حملا سمينا * شكرتك والطعام له مكان
وقال بعض الأعراب : [ طويل ]
وإنّ طعاما ضمّ كفّي وكفّها * لعمرك عندي في الحياة مبارك
هامش
( 1 ) جحظت عيناه : عظمت ونتأت مقلتاه .
( 2 ) سدر الرجل : تحيّر .
( 3 ) تربّد وجهه : تغيّر وتجهّم .
( 4 ) الباقلي : نبات .
( 5 ) استفّه : أي ازدردة بنهم بكلتا كفيه .
( 6 ) زدابه : رمى به .
( 7 ) الكنيز : التمر يجعل في قواصر للشتاء .
( 8 ) كدمها كدما : عضّها بأدنى فيه .
( 9 ) القمع : ما التصق بأسفل التمرة ونحوها حول علَّاقتها .
( 10 ) تدهده : تدحرج ، والقرّان : القارورة .