وقيل لبعض حكماء الرّوم : أيّ وقت الطعام فيه أطيب وأفضل ؟ قال : أمّا لمن قدر فإذا جاع ، وأمّا لمن لم يقدر فإذا وجد . ونظر أعرابيّ إلى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان ، فقال : أما واللَّه لئن أثرتموه لتمسكنّ منه بذنابي عيش أغبر ( 1 ) . وقيل لآخر : ألا تصوم البيض من شعبان ! فقال : بين يديها ثلاثون كأنها القباطيّ ( 2 ) . وقيل لمدني : بم تتسحّر الليلة ؟ فقال : باليأس من فطور القابلة . الرّياشيّ قال : قيل لأعرابيّ : اشرب ، فقال : إني لا أشرب على ثميلة ( 3 ) . وقال : [ طويل ]
إذا لم يكن قبل النبيذ ثريدة * مبقّلة صفراء شحم جميعها ( 4 ) فإنّ نبيذ الصّرف إن كان وحده * على غير شيء أوجع الكبد جوعها ( 5 )
قدم أعرابيّ على ابن عمّ له بالحضر ، فأدركه شهر رمضان ؛ فقيل له :
أبا عمرو لقد أتاك شهر رمضان ؛ قال : وما شهر رمضان ؟ قالوا : الإمساك عن الطعام ؛ قال : أبالليل أم بالنهار ؟ قالوا : لا ، بل بالنهار ؛ قال : أفيرضون بدلا من الشهر ؟ قالوا : لا ؛ قال : فإن لم أصم فعلوا ما ذا ؟ قالوا : تضرب وتحبس ؛ فصام أياما فلم يصبر ، فارتحل عنهم وجعل يقول : [ طويل ]
يقول بنو عمّي وقد زرت مصرهم * تهيّأ أبا عمرو لشهر صيام
فقلت لهم هاتوا جرابي ومزودي * سلام عليكم فاذهبوا بسلام ( 6 )
هامش
( 1 ) الأغبر : القاسي الكالح .
( 2 ) القباطي : ثياب بيض من كتان كانت تنسج بمصر ، شبّه بها أيام رمضان .
( 3 ) الثميلة : البقية القليلة من الطعام والشراب في البطن .
( 4 ) الثريدة : نوع من الطعام يصنع من خبز ولبن أو مرق ، والمقّلة التي فيها البقول .
( 5 ) الصّرف : الخالص .
( 6 ) الجراب والمزود : ما يحفظ به الماء والطعام .