واعلم أنّ الشّبع داعية البشم ( 2 ) ، وأنّ البشم داعية السّقم ، وأنّ السقم داعية الموت ، فمن مات بهذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة ، وهو مع هذا قاتل نفسه ، وقاتل نفسه الأم من قاتل غيره . يا بنيّ ، واللَّه ما أدّى حقّ الركوع والسجود ذو كظَّة ، ولا خشع للَّه ذو بطنة ، والصوم مصحّة ، والوجبات ( 3 ) عيش الصالحين . أي بنيّ ، لأمر مّا طالت أعمار الهند ، وصحّت أبدان الأعراب . فلله درّ الحارث ابن كلدة ( 4 ) حيث يزعم أنّ الدواء هو الأزم ( 5 ) ، وأنّ الداء إدخال الطعام إثر الطعام . أي بنيّ ، لم صفت أذهان الأعراب ، وصحّت أبدان الرّهبان ، مع طول الإقامة في الصوامع حتى لم تعرف النّقرس ( 6 ) ولا وجع المفاصل ولا الأورام ، إلَّا لقلَّة الرّزء ( 7 ) وخفّة الزاد . وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحّة البدن ، وذكاء الذهن ، وصلاح المعي ( 8 ) وكثرة المال ، والقرب من عيش الملائكة ! .
عيون الأخبار — صفحة 240
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٤٠
* والبطنة ممّا تسفّه الأحلاما ( 1 ) *
هامش
( 1 ) هذا بعض بيت أورده اللسان في مادّة « بطن » والبيت :
« يا بني المنذر بن عبدان * والبطنة ممّا تسفه الأحلاما »
( 2 ) البشم : التخمة
( 3 ) الوجبات : جمع وجبة ، وهي الأكلة في اليوم والليلة .
( 4 ) الحارث بن كلدة : طبيب العرب المشهور ، وهو من بني ثقيف .
( 5 ) الازم : عدم إدخال الطعام على الطعام .
( 6 ) النقرس : داء يأخذ في الرجل .
( 7 ) الرّزء : ما يصيبه الانسان من الطعام .
( 8 ) المعي : الأمعاء .