ورائكم زمانا شديا ، فشدّوا الأزر ( 1 ) على أنصاف البطون ، وصغّروا اللَّقم ، وشدّدوا المضغ ، ومصّوا الماء مصّا . وإذا أكل أحدكم فلا يحلَّنّ إزاره فتتّسع أمعاؤه . وإذا جلس أحدكم ليأكل فليقعد على أليتيه ، وليلزق بطنه بفخذيه ، وإذا فرغ فلا يقعد وليجىء وليذهب ؛ واحتموا ( 2 ) فإنّ من ورائكم زمانا شديدا . وعن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « ساقي القوم آخرهم شربا » . وعن الجارود بن أبي سبرة قال : قال لي بلال بن أبي بردة : أتحضر طعام هذا الشيخ - يعني عبد الأعلى بن عبد اللَّه بن عامر - ؛ فقلت : إيها ( 3 ) واللَّه ؛ فقال : حدّثني عنه . فقلت : نأتيه وكان سكَّيتا ( 4 ) ، إن حدّثنا أحسن الحديث ، وإن حدّثناه أحسن الاستماع ، فإذا حضر الغداء جاء خبّازه فمثل بين يديه ؛ فيقول : ما عندك ؟ فيقول : بطَّة بكذا ، ودجاجة بكذا وكذا . قال : وما يريد بذاك ؟ قلت : كي يحبس ( 5 ) كلّ إنسان نفسه إلى ما يشتهي ، فإذا وضع الخوان ( 6 ) خوّى ( 7 ) تخوية الظليم ( 8 ) فما له إلا موضع متّكئه فيجدّ ويهزل ، حتى إذا رآهم قد فتروا وكلَّوا ( 9 ) أكل معهم أكل الجائع المقرور ( 10 ) حتى ينشّطهم بأكله .
عيون الأخبار — صفحة 237
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٣٧
هامش
( 1 ) الأزر : جمع إزار ، وهو ما يؤتزر به على البطن .
( 2 ) احتموا : امتنعوا عن الطعام ، من الحماية .
( 3 ) إيها : معناه الكفّ ، وقد يرد للتصديق والرّضا كما هنا .
( 4 ) السكّيت : الكثير السكوت والصمت .
( 5 ) يحبس : يهيىء .
( 6 ) الخوان : فراش يؤكل عليه .
( 7 ) خوّى تخوية : فرّج ما بين عضديه وجنبيه ، أو جا في بطنه عن فخذيه في سجوده .
( 8 ) الظليم : ذكر النعام .
( 9 ) كلَّوا : وهنوا وضعفوا .
( 10 ) المقرور : الذي أصابه القرّ ، وهو البرد .