المعظَّم والصبيّ المدلَّل ، ولست واحدا منهما . وأنت قد تأتي الدعوات ، وتجيب الولائم ، وتدخل منازل الإخوان ، وعهدك باللحم قريب ، وإخوانك أشدّ قرما ( 1 ) إليه منك ، وإنما هو رأس واحد فلا عليك أن تتجافى عن بعض وتصيب بعضا . وأنا بعد أكره لك الموالاة بين اللحم ؛ فإن اللَّه يبغض أهل البيت اللَّحمين ( 2 ) . وكان يقال : مدمن اللحم كمدمن الخمر . ورأى رجل رجلا يأكل لحما ، فقال : لحم يأكل لحما ، أفّ لهذا عملا ! . وكان عمر يقول : إيّاكم وهذه المجازر ، فإنّ لها ضرواة كضراوة الخمر ( 3 ) . يا بنيّ عوّد نفسك الأثرة ( 4 ) ومجاهدة الهوى والشهوة ، ولا تنهش نهش السّباع ، ولا تخضم خضم البراذين ( 5 ) ، ولا تدمن الأكل إدمان النّعاج ، ولا تلقم لقم الجمال ؛ فإن اللَّه تعالى جعلك إنسانا وفضّلك ، فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا . واحذر سرعة الكظَّة وسرف البطنة ( 6 ) . قال بعض الحكماء : إذا كنت بطينا فعدّ نفسك من الزّمني ( 7 ) . وقال الأعشى : [ خفيف ]
عيون الأخبار — صفحة 239
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٣٩
هامش
( 1 ) القرم : اشتداد الشهوة إلى أكل اللحم .
( 2 ) اللحميين : الذين يكثرون من أكل اللحم .
( 3 ) الضراوة : الولع والإدمان .
( 4 ) الأثرة : المكرمة لأنّها تؤثر أي تذكر .
( 5 ) الخضم : للدّابة التي تأكل العشب ، والبراذين : جمع برذون ، وهو دابة أصغر من الخيل .
( 6 ) الكظَّه والبطنه : الامتلاء من الطعام والاسراف في تناوله .
( 7 ) الزّمني : المرضى الذين طال عليهم المرض .