وفي فصل آخر : قد كان يجب ألَّا أشكو حالي مع علمك بها ، ولا أقتضيك عمارتها بأكثر من قدرتك عليها ؛ فلربّما نيل الغنى على يدي من هو دونك بأدنى من حرمتي . وما أستصغر ما كان منك إلا عنك ، ولا أستقلَّه إلا لك . وقال آخر : إن رأيت أن تصفّد يدا ( 1 ) بصنيعة باق ذكرها جميل في الدهر أثرها ، تغتنم غرّة الزمان ( 2 ) فيها وتبادر فوت الإمكان بها ، فافعل . قدم على زياد ( 3 ) نفر من الأعراب فقام خطيبهم فقال : أصلح اللَّه الأمير ! نحن ، وإن كانت نزعت بنا أنفسنا إليك وأنضينا ( 4 ) ركائبنا نحوك التماسا لفضل عطائك ، عالمون بأنه لا مانع لما أعطى اللَّه ولا معطي لما منع ؛ وإنما أنت ايّها الأمير خازن ونحن رائدون ، فإن أذن لك فأعطيت حمدنا اللَّه وشكرناك ، وإن لم يؤذن لك فمنعت حمدنا اللَّه وعذرناك ، ثم جلس ؛ فقال زياد لجلسائه : تالله ما رأيت كلاما أبلغ ولا أوجز ولا أنفع عاجلة منه ، ثم أمر لهم بما يصلحهم . دخل العتّابيّ على المأمون ، فقال له المأمون : خبّرت بوفاتك فغمّتني ، ثم جاءتني وفادتك فسرتني ؛ فقال العتابيّ : لو قسمت هذه الكلمات على أهل الأرض لوسعتهم ؛ وذلك أنه لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك ؛ قال : سلني ، قال : يداك بالعطيّة أطلق من لساني .
عيون الأخبار — صفحة 142
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٤٢
هامش
( 1 ) تصفّد يدا : أي تقيدّها ، والصنيعة : المعروف والعطاء .
( 2 ) غرّة الزمان : أي غيره وصروفه .
( 3 ) هو زياد بن أبيه والي معاوية على الكوفة وغيرها وأخوه من أبيه كما يقال .
( 4 ) أنضينا : أهزلنا .