المنصور فقال : يا أمير المؤمنين نغض فمي ( 1 ) وأنتم أهل بيت بركة ، فلو أذنت لي فقبّلت رأسك لعل اللَّه يشدّد لي منه ! فقال أبو جعفر : اختر منها ومن الجائزة ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، أهون عليّ من ذهاب درهم من الجائزة ألَّا تبقى في فمي حاكَّة ( 2 ) . قال أبو حاتم : وحدّثنا الأصمعيّ عن خلف قال : كنت أرى أنّه ليس في الدنيا رقية إلا رقية الحيّات ، فإذا رقية الخبز أسهل . يعني ما يتكلَّفه الناس من الكلام لطلب الحيلة . قال رجل للفضل بن سهل يسأله : الأجل آفة الأمل ، والمعروف ذخيرة الأبد ، والبرّ غنيمة الحازم ، والتفريط مصيبة أخي القدرة ؛ فأمر وهبا كاتبه أن يكتب الكلمات . ورفع إليه رقعة فيها : يا حافظ من يضيّع نفسه عنده ، ويا ذاكر من ينسى نصيبه منه ، ليس كتابي إذا كتبت استبطاء ، ولا إمساكي إذا أمسكت استغناء ؛ لكنّ كتابي إذا كتبت تذكرة لك ، وإمساكي إذا أمسكت ثقة بك . وقال رجل لآخر : ما قصّرت بي همّة صيّرتني إليك ، ولا أخّرني ارتياد دلَّني عليك ، ولا قعد بي رجاء حداني إلى بابك . وبحسب معتصم بك ظفر بفائدة وغنيمة ، ولجء إلى موئل وسند . دخل الهذيل بن زفر ( 3 ) على يزيد بن المهلَّب ( 4 ) في حمالات ( 5 ) لزمته ،
عيون الأخبار — صفحة 140
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٤٠
هامش
( 1 ) نغض فمه : أي أنّ أسنانه تقلقلت وتحرّكت .
( 2 ) الحاكّة : يعني بها السنّ .
( 3 ) هو الهذيل بن زفر بن الحارث بن عبد عمرو الكلابي . من الرؤساء الشجعان الفصحاء في العصر المرواني .
( 4 ) يزيد بن المهلَّب بن أبي صفرة الأزدي ، أبو خالد ، أمير من القادة الشجعان الأجواد ، ولي خراسان سنة 83 للهجرة ثم عزله عبد الملك بن مروان .
( 5 ) حمّالات : جمع حمالة ، وهي الدية والغرامة .