تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١

مدبرة وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، ألا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا . ألا من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات . ألا إنّ للَّه عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلَّدين وأهل النار في النار معذّبين ، شرورهم مأمونة ، وقلوبهم محزونة ، وأنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياما قليلة لعقبى راحة طويلة ؛ أمّا بالليل فصافّو أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يجأرون إلى اللَّه : ربّنا ربّنا يطلبون فكاك رقابهم ؛ وأما بالنهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنّهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول : مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول : خولطوا ، ولقد خالط القوم أمر عظيم . حدّثنا إسحاق المعروف بابن راهويه أنّ عون بن عبد اللَّه بن عتبة كان يقول : يا بنيّ ممّن نأى به عمّن نأى عنه يقين ونزاهة ، ودنا به ممن دنا منه لين رحمة ، ليس نأيه تكبرا ولا عظمة ، ولا دنوّة بخدع ولا خلابة ، يقتدي بمن قبله ، وهو إمام من بعده ، لا يعجل فيمن رابه ( 1 ) ويعفو إذا تبين له ، ينقص في الذي له ويزيد في الذي عليه ، لا يعزب حلمه ولا يحضر جهله ، الخير منه مأمول والشرّ منه مأمون ، إن رجي خاف ما يقولون واستغفر لما لا يعلمون ، إن عصته نفسه فيما كرهت لم يطعها فيما أحبت ، يصمت ليسلم ويخلو ليغنم وينطق ليفهم ويخالط ليعلم . ولا تكن يا بنيّ ممن يعجب باليقين من نفسه فيما ذهب وينسى اليقين فيما رجا وطلب ، يقول فيما ذهب : لو قدّر شيء كان ، ويقول فيما بقي : ابتغ أيها الإنسان ؛ تغلبه نفسه على ما يظنّ ولا يغلبها

هامش
( 1 ) رابه : شكّكه وأوجب الريبة عنده .