قال الحسن بن عليّ : ألا أخبركم عن صديق كان لي من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه ، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يتشهّى ما لا يحلّ ولا يكنز إذا وجد ، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمدّ يدا إلا على ثقة لمنفعة ، كان لا يتشكَّى ولا يتبرّم ، كان أكثر دهره صامتا ، فإذا قال بذّ القائلين ، كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجدّ فهو الليث عاديا ، كان إذا جامع العلماء على أن يسمع أحرص منه على أن يقول ، كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت ، كان لا يقول ما يفعل ويفعل ما لا يقول ، كان إذا عرض له أمران لا يدري أيّهما أقرب إلى الحق نظر أقربهما من هواه فخالفه ، كان لا يلوم أحدا على ما قد يقع العذر في مثله . زادني غيره : كان لا يقول حتى يرى قاضيا عدلا وشهودا عدولا . وفي كلام علي رضي اللَّه عنه لكميل حين ذكر حجج اللَّه في الأرض فقال : هجم بهم العلم على حقائق الأمور ، فباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعر المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلَّقة بالمحلّ الأعلى ؛ هاه ( 1 ) شوقا إلى رؤيتهم . قال رجل ليونس بن عبيد : تعلم أحدا يعمل بعمل الحسن ؟ قال : واللَّه ما أعرف أحدا يقول بقوله فكيف يعمل بعمله ! قيل : فصفه لنا ؛ قال : كان إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه ، وإذا جلس فكأنه أسير أمر بضرب عنقه ، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلَّا له . حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال : حدّثنا عبد اللَّه بن المبارك قال : أخبرنا معمر عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال : ما مثل قرّاء هذا الزمان
عيون الأخبار — صفحة 383
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٣٨٣
هامش
( 1 ) هاه : كلمة تقال للتوجّع ، والهاء الأولى مبدلة من همزة « آه » ، وبذلك تكون اسم فعل مضارع بمعنى أتوجّع .