تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
كان أبونا لا يرفع المواعظ عن أسماعنا ، أراد مرّة سفرا فقال : يا بنيّ تألَّفوا النعم بحسن مجاورتها ، والتمسوا المزيد فيها بالشكر عليها ، واعلموا أنّ النفوس أقبل شيء لما أعطيت وأعطى شيء لما سئلت ، فاحملوها على مطيّة لا تبطىء إذا ركبت ، ولا تسبق وإن تقدّمت ، عليها نجا من هرب من النار ، وأدرك من سابق إلى الجنة ؛ فقال الأصاغر : يا أبانا ، ما هذه المطيّة ؟ قال : التوبة .

صفات الزّهّاد

حدّثني عبد الرحمن العبديّ عن يحيى بن سعد السعديّ قال : سأل الحواريّون عيسى عليه السلام فقالوا : يا روح اللَّه ، من أولياء اللَّه ؟ قال : هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، وإلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها ، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم ، فصار استكثارهم منها استقلالا ، وفرحهم بما أصابوا منها حزنا ، فما عارضهم من نائلها رفضوه وما عارضهم من رفيعها بغير الحقّ وضعوه ، فهم أعداء ما سالم الناس وسلم ما عادوا ، خلقت ( 1 ) الدنيا عندهم فليسوا يعمرونها ، وماتت في قلوبهم فليسوا يحبونها ، يهدمونها ويبنونها بها آخرتهم ، ويبيعونها ويشترون بها ما يبقى لهم ؛ ونظروا إلى أهلها صرعى قد خلت منهم المثلات ( 2 ) فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة ، بهم نطق الكتاب وبه نطقوا ، وبهم علم الكتب وبه عملوا ، لا يرون نائلا مع ما نالوا ولا أمنا دون ما يرجون ، ولا خوفا دون ما يحذرون .

هامش
( 1 ) خلقت الدنيا ( بضم اللام وفتحها ) : بليت .
( 2 ) المثلات : ج مثلة ( بفتح الميم وضم التاء ) وهي العقوبة ، وعبر يعتبر بها .