تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧

لم يصل إليك . يا أمير المؤمنين ، ولو أنّ ثوبا من ثياب أهل النار علَّق بين السماء والأرض لاذاهم فكيف من يتقمّصه ؟ ولو أن ذنوبا ( 1 ) من صديد أهل النار صبّ على ماء الأرض لآجنه ( 2 ) فكيف بمن يتجرّعه ؟ ولو أنّ حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب ، فكيف من سلك فيها ويردّ فضلها على عاتقه ! وقد قال عمر بن الخطاب : « لا يقوّم أمر الناس إلا حصيف العقدة ، بعيد العزّة ، لا يطَّلع الناس منه على عورة ، ولا يحنق في الحقّ على جرّة ( 3 ) ، ولا تأخذه في اللَّه لومة لائم » . واعلم أنّ السلطان أربعة : أمير يظلف ( 4 ) نفسه وعمّاله ، فذلك له أجر المجاهد في سبيل اللَّه وصلاته سبعون ألف صلاة ويد اللَّه بالرحمة على رأسه ترفرف ؛ وأمير رتع ورتع عمّاله . فذاك يحمل أثقاله وأثقالا مع أثقاله ؛ وأمير يظلف نفسه ويرتع عمّاله ، فذاك الذي باع آخرته بدنيا غيره ؛ وأمير يرتع ويظلف عمّاله ، فذاك شرّ الأكياس . واعلم يا أمير المؤمنين أنك قد ابتليت بأمر عظيم عرض على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه وأشفقن منه ؛ وقد جاء عن جدّك في تفسير قول اللَّه عز وجل : * ( لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) * ( 5 ) : أنّ الصغيرة التّبسّم ، والكبيرة الضّحك ، وقال : فما ظنكم بالكلام وما عملته الأيدي ؟

هامش
( 1 ) الذّنوب : الدّلو التي دون الملك ، تذكر وتؤنّث .
( 2 ) آجنه : جعله اجنا أي متغيّر الطعم واللون .
( 3 ) لا يحنق في الحق على جرّة : لا ينطوي على حقد ودغل ؛ وأصل الإحناق : لحوق البطن بالصليب والتصاقه به . والجصرة : ما يخرجه البعير من جوفه ويمضغه . فكنى عمر بن الخطاب بعدم الإخناق على الجرّة عن عدم إضمار الحقد والغيرة .
( 4 ) يظلف نفسه : يكفّها .
( 5 ) سورة الكهف 18 ، الآية رقم 49 . أي أن كتاب اللَّه تعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من ذنوبنا إلَّا عدّها وأثبتها ، فتعجب المجرمون منه في ذلك . راجع التفسير المبين .