تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
فلو أنّ القبور سمعن صوتي * إذا لأجبنني من وجدهنّه ولكنّ القبور صمتن عنّي * فأبت بحسرة من عندهنّه
ثم يبكي ونبكي . قال معاوية بن أبي سفيان لعبيد بن شرية الجرهميّ : أخبرني بأعجب شيء رأيته في الجاهليّة ؛ فقال : إني نزلت بحيّ من قضاعة فخرجوا بجنازة رجل من عذرة يقال له حريث وخرجت معهم ، حتى إذا واروه في حفرته انتبذت جانبا عن القوم وعيناي تذرفان ثم تمثّلت بأبيات شعر كنت أرويها قبل ذلك بزمان طويل : [ بسيط ]
تجري أمور ولا تدري أوائلها * خير لنفسك أم ما فيه تأخير فاستقدر اللَّه خيرا وارضينّ به * فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبطا * إذ صار في الرّمس ( 1 ) تعفوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه * وذو قرابته في الحيّ مسرور
قال : وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول ، فقال لي : يا عبد اللَّه ، هل لك علم بقائل هذه الأبيات ؟ قلت : لا واللَّه ؛ إلا أنّي أرويها منذ زمان ؛ فقال : والذي تحلف به إنّ قائلها لصاحبنا الذي دفنّاه آنفا ، وهذا الذي ترى ذو قرابته أسرّ الناس بموته ، وإنك لغريب وتبكي عليه كما وصفت ؛ فعجبت لما ذكره في شعره وما صار إليه من أمره وقوله ، كأنه ينظر إلى مكاني من جنازته ، فقلت : « إنّ البلاء موكَّل بالقول » ؛ فذهبت مثلا . قال أعرابيّ : خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة ، وشرّ من الموت ما إذا نزل بك أحببت لنزوله الموت .
هامش
( 1 ) الرّمس : القبر .