بيته ، فلما قعد على سريره ، خرّ منه فاندقّت عنقه فمات ابني وضلّ عملي وبطل نصيبي وتلف مالي ، فخرجت إلى هذه البرّيّة أبكيه فيها لا أريد أن أرى أثرا من آثاره ولا أحدا من أصحابه ، ولن أبرح أبكيه حتّى ألحق به . قال عزير : اذكري ربّك وراجعيه ، فقد أصابت المصائب غيرك أما رأيت هلاك إيلياء وهي سيّدة المدائن وأمّ القرى ؟ أو ما رأيت مصيبة أهلها وهم الرجال ؟ قالت : إي ، رحمك اللَّه ! إن هذا ليس لي بعزاء وليست لي بشيء منه أسوة ، إنما تبكي مدينة خربت ، ولو تعمر عادت كما كانت ، وإنما تبغي قوما وعدهم اللَّه الكرّة على عدوّهم ، وأنا أبكي على أمر قد فات ، وعلى مصيبة لا أستقيلها ( 1 ) ؛ قال عزير : فإنه خلق لما صار إليه ، وكلّ شيء خلق للدنيا فلابدّ أن سيفنى ، أما رأيت مدينتنا أصبحت خاوية على عروشها بعد عمارتها ، وأوحشت بعد أنسها وأثاثها ؟ أو ما رأيت مسجدنا كيف غيّر حسنه ، وهدم حصنه ، وأطفىء نوره ؟ أو ما رأيت عزّ أهلها كيف ذلّ ، وشرفهم كيف خمل ، ومجدهم كيف سقط ، وفخرهم كيف بطل ؟ أو ما رأيت كتاب اللَّه كيف أحرق ، ووليّ اللَّه كيف رفع ، وتابوت السكينة ( 2 ) كيف سبي ؟ أو ما رأيت نساء الملوك وبناتهم في بطون الأسواق حاسرات عن السّوق والوجوه والأشعار ؟ أو ما رأيت الأشياخ الذين على وجوههم النور والسكينة مقرّنين في الحبال والقطار ( 3 ) ! أو ما رأيت
عيون الأخبار — صفحة 298
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٩٨
هامش
( 1 ) لا أستقيلها : لا أطلب منها آقالة ؛ لأن الطلب فيها غير مجد .
( 2 ) ورد في دائرة المعارف للبستاني عند الكلام على التابوت ما ملخصه : وتابوت العهد أو الشهادة هو صندوق من الخشب مصفّح من الداخل ومذهّب من الخارج ، وكان موضعه في قدس الأقداس وكان اليهود يعتبرون ذلك مقدّسا وكانوا يحملونه بالإحتفال . أمامهم مسافرون إلى أرض الميعاد . والظاهر أنه فقد عندما هدم بختنصر الهيكل في القدس بإتلافه إيّاه أو نقله إلى بابل . ومن أراد الوقوف على تفاصيل وصف هذا التابوت فليراجع ذلك في التوراة وفي دائرة المعارف للبستاني ( ج 6 ص 3 ) .
( 3 ) القطار : ج قطر وهو مصدر قطر ؛ يقال : قطر الثوب : خاطه .