أحلى من العسل وأنفسهم أمرّ من الصبر ، أبى يغترّون ! أم إياي يخادعون ! أقسمت لأبعثنّ عليهم فتنة يعود الحليم فيها حيران . وقرأت في الإنجيل : « لا تجعلوا كنوزكم في الأرض حيث يفسدها السّوس والدود وحيث ينقب السراق ، ولكن اجعلوا كنوزكم في السماء فإنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم . إنّ العين هي سراج الجسد فإذا كانت عينك صحيحة فإن جسدك كلَّه مضيء . وإنه لا يستطيع أحد أن يعمل لربّين اثنين إلا أن يحبّ أحدهما ويبغض الآخر ، ويوقّر أحدهما ويهين الآخر ، فكذلك لا تستطيعون أن تعملوا للَّه وللمال . ولا يهمّنّكم ما تأكلون وما تشربون وما تلبسون ، أليست النفس أفضل من الطعام ، والجسد أفضل من اللباس ؟ أنظروا إلى طير السماء فإنهنّ لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في الأهراء ( 1 ) ، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهنّ ، أفلستم أفضل منهنّ ؟ وأيّكم الذي إذا جهد قدر أن يزيد في طوله ذراعا واحدا ! فلم تهتمون باللباس ؟ اعتبروا بسوس ( 2 ) البرّيّة فإنه لا يعمل ولا يغزل ، أنا أقول : إنّ سليمان بوقاره ( 3 ) لم يستطع أن يلبس كواحدة منه ؛ فإذا كان اللَّه يلبس عشب الأرض الذي ينبت اليوم ويلقى في النار غدا أفلستم يا قليلي الإيمان أفضل منه ؟ ولا نهتمّوا فتقولوا : ماذا نأكل وماذا نشرب وماذا نلبس ، فإنه إنما يهتمّ لذلك ابن الدنيا ؛ وإنّ أباكم الذي في السماء يعلم أنّ ذلك ينبغي لكم ؛ فابدأوا فالتمسوا ملكوت اللَّه وصدّيقيّته ( 4 ) ، فإنكم سوف تكفون . ولا يهمّنّكم ما في غد ، فإنّ غدا مكتف بهمه ، وحسب اليوم شرّه . وكما تدينون تدانون ، وبالمكيال الذي
عيون الأخبار — صفحة 295
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٩٥
هامش
( 1 ) الأهراء : ج هري وهو بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان .
( 2 ) البسوس : الناقة التي لا تدرّ إلَّا على الإبساس أي التلطَّف بأن يقال لها : بس بس تسكينا لها .
( 3 ) الوقار : العظمة .
( 4 ) الصّدّيقيّة : درجة أعلى من الولاية وأدنى من النبوّة .