الخيرات جهدك . قم في الخليقة بعدلي ، واحكم فيهم بنصيحتي ، فقد أنزلت عليك شفاء وساوس ما في الصدور من مرض الشيطان ، وجلاء الأبصار من غشاء الكلال ؛ ولا تكن حلسا ( 1 ) كأنك مقبور وأنت حيّ تتنفّس . إكحل عينيك بملمول ( 2 ) الحزن إذا ضحك البطَّالون . إبك على نفسك أيّام الحياة بكاء من قد ودّع الأهل وقلى الدنيا ، وترك اللذات لأهلها ، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه . طوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين ! ترجّ من الدنيا يوما فيوما ، وارض بالبلغة ، وليكفك منها الخشن . تذّوق مذاقة ما قد خلا أين طعمه ! وما لم يأت أين لذّته ! لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي لذاب قلبك وزهقت نفسك شوقا إليه . وفيما قال للحواريّين : بحقّ أقول لكم : إنّ شجر الأرض بمطر السماء تعيش وتزكو ، وكذلك القلوب بنور الحكمة تبصر وتهتدي ؛ بحقّ أقول لكم : إنه من ليس عليه دين أروح وأقلّ همّا ممن عليه دين وإن حسن قضاؤه ، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح وأقلّ همّا ممن عمل بها وإن حسنت توبته . إنّ الدابة تزداد على كثرة الرياضة خيرا ، وقلوبكم لا تزداد على كثرة الموعظة إلا قسوة . إنّ الجسد إذا صلح كفاه القليل من الطعام ، وإنّ القلب إذا صحّ كفاه القليل من الحكمة . كم من سراج قد أطفأته الريح ، وكم من عابد قد أفسده العجب . يا بني إسرائيل ، استمعوا قولي ، فإنّ مثل من يستمع قولي ثم يعمل به مثل رجل حكيم أسس بنيانه على الصّفا ( 3 ) ، فمطرت السماء وسالت الأودية وضربته الرياح فثبت بنيانه ولم يخرّ ، ومثل الذي يستمع قولي
عيون الأخبار — صفحة 292
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٩٢
هامش
( 1 ) الحلس : الذي يلزم بيته فلا يبرحه .
( 2 ) الملمول : المكحال أي المرود .
( 3 ) الصّفا : ج الصّفاة ، سرياني ومعناه الصخرة .