سالما موفّرا لم يكلمه الطمع ولم يطبّعه ( 1 ) الهوى . واعلم أنه لن يتزيّن العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا ، إنما هي زينة الأبرار عندي ، وأنقى ما تزيّن به العباد في عيني عليهم منها ، لباس يعرفون به من السكينة والخشوع ، سيماهم النحول والسجود ، أولئك أوليائي حقا . فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك ، وذلَّل لهم قلبك ولسانك . واعلم أنه من أهان لي وليّا أو أخافه ، فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرّضني لنفسه ودعاني إليها ، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي ، أفيظنّ الذي يحاربني فيهم أنهم يقوم لي ؟ أم يظنّ الذي يعاديني فيهم أنه يعجزني ؟ أم يظنّ الذي يبادرني إليهم أنه يسبقني أو يفوتني ؟ كيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة ، لا أكل نصرهم إلى غيري ؟ وفي التوراة : أوحى اللَّه تعالى إلى موسى عليه السلام بطور سيناء : يا موسى بن عمران صاحب جبل لبنان ، أنت عبدي وأنا إلهك الديّان ؛ لا تستذلّ الفقير ، ولا تغبط الغنيّ بشيء يسير ؛ وكن عند ذكري خاشعا ، وعند تلاوة وحيي طائعا ؛ أسمعني لذاذة التوراة بصوت حزين . وفيما أوحى اللَّه إلى عيسى عليه السلام : أنزلني من نفسك كهمّك ، واجعلني ذخرك في معادك ، وتقرّب إليّ بالنوافل أدنك ، وتوكَّل عليّ أكفك ، ولا تولّ غيري فأخذلك ؛ اصبر على البلاء ، وارض بالقضاء ، وكن كمسرّتي فيك ، فإنّ مسرّتي أن أطاع ، وأحي ذكري بلسانك ، وليكن ودّي في قلبك ؛ تيقّظ لي في ساعات الغفلة ، وكن راهبا لي وراغبا إليّ . أمت قلبك بالخشية ؛ راع الليل لتحرّي مسرّتي ، واظمأ لي نهارك لليوم الذي عندي ؛ نافس في
عيون الأخبار — صفحة 291
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٩١
هامش
( 1 ) يطبّعه : ينجسه .