تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
فيراجعه ، وإنّ الثور مما يتذكر مرجه الذي يمن فيه فينتابه ، وإنّ البعير مما يتذكر وطنه الذي نتج فيه فينزع إليه ، وإنّ هؤلاء القوم لا يذكرون أنّي جاءهم الخير وهم أهل الألباب وأهل العقول ، ليسوا بإبل ولا بقر ولا حمير ، وإني ضارب لهم مثلا فاسمعوه : قل لهم : كيف ترون في أرض كانت زمانا من زمانها خربة مواتا لا حرث فيها ، وكان لها ربّ قويّ حليم ، فأحاط عليها سياجا وشيّد فيها قصرا وأنبط فيها نهرا وصنّف فيها غراسا من الزيتون والرّمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار ، وولَّى ذلك ذا رأي وهمّة حفيظا قويّا أمينا ؛ فلما جاء إبّان إثمارها أثمرت خرّوبا ، ما كنتم قائلين له ومشيرين عليه ؟ قالوا : كنا نقول : بئست الأرض أرضك ، ونشير عليه أن يقلع سياجها ، ويهدم قصرها ، ويدفن نهرها ، ويحرق غرسها حتى تعود خربة مواتا لا عمران فيها ؛ قال اللَّه تعالى : قل لهم ، إن السياج ذمتي ، وإنّ القصر شريعتي ، وإن النهر كتابي ، وإن القيم نبيّ ، وإن الغرس مثل لهم ، والخرّوب أعمالهم الخبيثة ؛ وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم ، يتفزّبون إليّ بذبح الغنم والبقر وليس ينالني اللحم ولا آكله . ويدعون أن يتقرّبوا إليّ بالتقوى والكفّ عن ذبح الأنفس التي حرّمتها ويشيّدون لي البيوت ويزوّقون لي المساجد ؛ وأيّ حاجة بي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها ، وإلى تزويق المساجد ولست أدخلها ؛ إنما أمرت برفعها لأذكر فيها وأسبّح ، وينجّسون أنفسهم وعقولهم وقلوبهم ويخرّبونها ، يقولون : لو كان يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها ، ولو كان يقدر على أن يفقّه قلوبنا لفقّهها . فاعمد إلى عودين يابسين فاكتب فيهما كتابا ثمّ ائت ناديهم أجمع ما يكونون ، فقل للعودين : إن اللَّه يأمركما أن تعودا عودا واحدا ؛ فقال لهما ذلك ، فاختلطا فصارا عودا واحدا ، وصار الكتاب في طرفي العود كتابا واحدا : يا معشر القبائل ، إن اللَّه يقول لكم : إني قدرت على أن أفقّه العيدان اليابسة وعلى أن أؤلَّف بينها ؛ فكيف لا أقدر على أن أجمع