خطبة ( 1 ) المأمون يوم الجمعة
الحمد للَّه مستخلص الحمد لنفسه ، ومستوجبه على خلقه ، أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكَّل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلَّه ولو كره المشركون . أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه وحده ، والعمل لما عنده ، والتنجّز لوعده ، والخوف لوعيده ؛ فإنه لا يسلم إلا من اتّقاه ورجاه ، وعمل له وأرضاه . فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم ، وترحّلوا ( 2 ) فقد جدّ بكم ( 3 ) ، واستعدّوا للموت فقد أظلَّكم ، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا ، وعلموا أنّ الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا ؛ فإنّ اللَّه لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى ؛ ما بين أحدكم وبين الجنّة والنار إلا الموت أن ينزل به . وإنّ غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة الواحدة لجديرة بقصر المدّة ، وإنّ غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحريّ ( 4 ) بسرعة الأوبة ، وإنّ قادما يحلّ بالفوز أو بالشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة ، فاتّقى عبد ربّه ، ونصح نفسه ، وقدّم توبته ، وغلب شهوته ، فإنّ أجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، والشيطان موكَّل به : يزيّن له المعصية ليركبها ، ويمنّيه التوبة ليسوّفها ، حتى تهجم عليه منيّته أغفل ما يكون عنها . فيا لها حسرة على ذي غفلة : أن يكون عمره عليه حجّة ، أو تؤدّيه أيامه ( 5 ) إلى شقوة ! نسأل اللَّه أن
هامش
( 1 ) وردت هذه الخطبة في العقد الفريد ( ج 4 ص 104 - 105 ) كما هنا ولكن باختلاف يسير جدا سنشير إليه .
( 2 ) في المصدر السابق ص 104 : « وترحلوا عن الدنيا » .
( 3 ) جدّ بكم : أي جدّ بكم السير ؛ يقال : جدّ في سيره : اجتهد .
( 4 ) في العقد الفريد ( ج 4 ص 105 ) : « لجدير » .
( 5 ) نفس المصدر السابق والصفحة : « منيّته .