الصّخر والآكام .
خطبة ( 1 ) لأبي بكر أيضا رضي اللَّه عنه
رواها إبراهيم بن محمد من ولد أبي زيد القارئ .
حمد اللَّه وأثنى عليه وصلَّى على النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم ثم قال :
إنّ أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك . فرفع الناس رؤوسهم ؛ فقال : ما لكم يا معشر الناس ! إنّكم لطعّانون عجلون ، إنّ الملك إذا ملك زهّده اللَّه فيما في يده ، ورغَّبه فيما في يدي غيره ، وانتقصه شطر أجله ، وأشرب قلبه الإشفاق ، فهو يحسد على القليل ، ويتسخّط الكثير ، ويسأم الرخاء ، وتنقطع عنه لذّة البهاء ( 2 ) ، لا يستعمل العبرة ولا يسكن إلى الثقة ، فهو كالدرهم القسيّ ( 3 ) والسّراب الخادع ، جذل الظاهر ، حزين الباطن ، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظلَّه ( 4 ) ، حاسبه اللَّه فأشدّ حسابه وأقلّ عفوه . ألا إنّ الفقراء هم المرحومون ، وخير الملوك من آمن باللَّه ، وحكم بكتاب اللَّه وسنّة نبيّه صلى اللَّه عليه وسلم .
وإنكم اليوم على خلافة نبوّة ، ومفرق محجّة ، وسترون بعدي ملكا عضوضا ، وأمّة شعاعا ، ودما مفاحا ( 5 ) . فإن كانت للباطل نزوة ، ولأهل الحق جولة ؛ يعفو لها الأثر ، وتموت السّنن ، فالزموا المساجد ، واستشيروا القرآن ، والزموا الجماعة .
وليكن الإبرام بعد التشاور ، والصّفقة بعد طول التناظر ، أي بلادكم ( 6 ) خرسة فإن
هامش
( 1 ) وردت هذه الخطبة في العقد الفريد ( ج 4 ص 59 - 60 ) وفي البيان والتبين ( ج 2 ص 234 - 235 ) باختلاف يسير عما هنا .
( 2 ) في العقد الفريد ( ج 4 ص 59 ) : « لذة البقاء » .
( 3 ) الدرهم القسيّ : الرديء الزائف .
( 4 ) ضجا ظلَّه ، ونضب عمره ، ووجبت نفسه : كل منها كناية عن الموت .
( 5 ) الدم المفاح : المراق . وشعاع : متفرقة . وملك عضوض : ملك فيه استبداد وعسف .
( 6 ) خرسة : محتبسة ، والخرسة أيضا : طعام . والمراد : إن بلادكم معرّضة للخطر . وفي العقد الفريد ( ج 4 ص 59 ) : « خرشنة » وهي بلد قرب ملطية من بلاد الروم .