أطوف بالرّباع المخلية ( 1 ) والرّياض المعشبة ، فيسهل عليّ أرصنه ويسرع إليّ أحسنه . ويقال : إنه لم يستدع شارد الشعر بمثل الماء الجاري ، والشّرف العالي ، والمكان الخضر الخالي ( 2 ) أو الحالي . وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة : هل تقول الآن شعرا ؟ قال : ما أشرب ، ولا أطرب ، ولا أغضب ؛ وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه . وقيل لكثيّر : ما بقي من شعرك ؟ فقال : ماتت عزّة فما أطرب ، وذهب الشّباب فما أعجب ، ومات ابن ليلى فما أرغب - يعني عبد العزيز بن مروان - وإنما الشعر بهذه الخلال . وقيل لبعضهم : من أشعر الناس ؟ فقال : امرؤ القيس إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وزهير إذا رغب ، والأعشى إذا طرب . وقيل للعجّاج : إنك لا تحسن الهجاء ، فقال : إن لنا أحلاما تمنعنا من أن نظلم ، وأحسابا تمنعنا من أن نظلم ، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم ! . وقلت في وصف الشّعر : الشعر معدن علم العرب ، وسفر حكمتها ، وديوان أخبارها ، ومستودع أيامها ، والسّور المضروب على مآثرها ، والخندق المحجوز على مفاخرها ، والشاهد العدل يوم النّفار ، والحجّة القاطعة عند الخصام ، ومن لم يقم عندهم على شرفه وما يدّعيه لسلفه من المناقب
عيون الأخبار — صفحة 200
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٠٠
هامش
( 1 ) المخلية : الخالية من السكان ؛ يقال : خلت الدار وأخلت .
( 2 ) الخالي : أي الخالي من الضوضاء . والحالي هو المتحلَّي بالنّوّار ، ومنه قول مالك بن أسماء ( طويل ) .ولماَّ نزلنا منزلا طلَّه النّدى * أنيقا وبستانا من النّور حالياأنظر الجزء الأول من هذا الكتاب ص 262 .