هو الذي أساء ؛ قال : فأرى صاحب الخير هو صاحب الشرّ ، وقد بطل قولكم ، إنّ الذي ينظر نظر الوعيد هو الذي ينظر نظر الرحمة ؛ قال : فإني أزعم أنّ الذي أساء غير الذي ندم ؛ قال : فندم على شيء كان من غيره أو على شيء كان منه ؟ فأسكته . دخل الموبذ ( 1 ) على هشام بن الحكم ( 2 ) فقال له : يا هشام ، حول الدنياشيء ؟ قال : لا ، قال : فإن أخرجت يدي فثمّ شيء يردّها ؟ قال هشام : ليس ثمّ شيء يردّك ، ولا شيء يخرج يدك فيه ؛ قال : فكيف أعرف هذا ؛ قال له : يا موبذ ؛ أنا وأنت على طرف الدنيا فقلت لك يا موبذ : إني لا أرى شيئا ، فقلت لي : ولم لا ترى ؟ فقلت لك : ليس ها هنا ظلام يمنعني ، قلت لي أنت : يا هشام ، إني لا أرى شيئا ، فقلت لك : ولم لا ترى ؟ قلت : ليس ضياء أنظر به ؛ فهل تكافأت الملَّتان في التناقض ؟ قال : نعم ، قال : فإذا تكافأتا في التناقض لم تتكافآ في الإبطال أن ليس شيء ؟ فأشار الموبذ بيده أن أصبت ( 3 ) . ودخل عليه يوما آخر فقال : هما في القوّة سواء ؟ قال : نعم ؛ قال : فجوهرهما واحد ؟ قال الموبذ لنفسه - ومن حضر يسمع - إن قلت : إنّ جوهرهما واحد عادا في نعت واحد ، وإن قلت : مختلف اختلفا أيضا في الهمم والإرادات
عيون الأخبار — صفحة 169
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٦٩
هامش
( 1 ) الموبذ : عالم الفرس .
( 2 ) هو هشام بن الحكم الشيباني بالولاء الكوفي المتكلم المناظر وشيخ الإمامية في وقته كان من مشايخ الرافضة . زعم أن معبوده جسم ذو حدّ ونهاية ، وأنه طويل عريض عميق وأن طوله مثل عرضه مثل عمقه . وقال : ليس ذهابه في جهة الطول أزيد على ذهابه في جهة العرض . وزعم أيضا أنه نور ساطع يتلألأ كالسبيكة الصافية من الفضة وكاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها . وزعم أنه ذو لون وطعم ورائحة ، وأن لونه هو طعمه ، وطعمه هو رائحته . ثم قال : قد كان اللَّه ولا مكان ثم خلق المكان بأن تحرّك فحدث مكانه بحركته فصار فيه ، ومكانه هو العرش . توفي هشام نحو 190 ه . أنظر الملل والنحل ص 141 - 142 ، والأعلام ج 8 ص 85 ، ومفاتيح العلوم للخوارزمي ص 27 .
( 3 ) وردت هذه القصة في العقد الفريد ( ج 2 ص 411 - 412 ) .