المهدي - عجل الله تعالى فرجه - ليس متصديّاً بالفعل لإدارة وتدبير الحكم السياسي ، وأنّ الغيبة بمعنى الإقصاء والذهاب وزوال الحضور عن الساحة ; فهو - عجل الله تعالى فرجه - ليس بحاضر حالياً في الميدان وليس متصرّفاً في الأمور . بل في بعض التعبيرات إنّ الإمامة السياسية لا تكون فعلية إلاّ بالبيعة والتصدّي العلني الرسمي ; وما في بعضها الآخر أيضاً من أنّ الشورى قاعدة للحكم عند عدم النص وفي الغيبة ، حيث إنه - عجل الله تعالى فرجه - لم يتصدَّ فهو بمنزلة انعدام موضوع النص ، وغيرها من التعبيرات التي لا تتسق ولا تنسجم مع مفهوم الإمامة الإلهية التي يؤصّلها القرآن والسنّة كعقيدة أساسية في حصول الإيمان ، فإنّ الآيات والروايات المتواترة كلّها على أنّ الأرض لا تخلو من حجّة وإلاّ لفسدت وساخت ، لأنّ الله جعل بنحو دائم في الأرض خليفة ، كما هو مفاد الآية الشريفة :
( إنّي جاعل في الأرض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) ( 1 )
فغاية هذه السنّة الإلهية الدائمة هي الممانعة عن وقوع الفساد ، أي عن إطباقه على الأرض ولكي لا يستأصل النسل البشري ، والآية تقضي بأنّ من أبرز خواص الخليفة في الجعل الإلهي هو قيامه بتدبير النظام البشري وإصلاحه بنحو يتفادى عن وقوع المحذور الذي اعترضت به الملائكة ، فكيف يفرض ارتفاع وانعدام ذلك الخليفة ؟ وهل عدم العلم بهويّة الخضر ( عليه السلام ) دليل ناف لوجوده ودوره الفاعل الذي أشارت إليه سورة الكهف ، وهل الإمامة الفعلية لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ( عليهم السلام ) التي عهدها الباري تعالى لهم وحكى شيئاً عنها ما سطّره التاريخ الذي لا يتناول في غالب ما يؤرّخه إلاّ ما يطفح على السطح وما يتّخذ شكلاً معلناً ، كما هو دأبه في العصر الراهن حيث لا يقيّد القلم إلاّ ما هو ظاهر مكشوف لا ما هو
هامش
1 . البقرة / 30 .