العراقي وغيرهما ذهب إلى أنّ حقيقة الحكم الشرعي هو الإرادة وأنّه ليس دور للإنشاء القانوني إلاّ إبراز وكشف تلك الإرادة ومنه مَن ذهب - كالسيّد الخوئي ( رحمه الله ) - إلى أنّ المعنى الذهني التكويني القائم بالذهن هو حقيقة الحكم وعلى أي تقدير فللحكم الشرعي صلة وثيقة بحقيقة تكوينية هي حقيقته التي ينطلق منها ، بل قد ذكر علماء الأصول والقانون والحكمة إنّ الحاجة إلى علم الاعتبار القانوني من التقنين والتشريع ، إنّما هو بسبب جهل المخاطبين بالحقيقة التكوينية للحكم ، فمن ثمّ كان الخطاب القانوني بالحكم الإعتباري الإنشائي أسهل منالاً للمخاطبين من حقائق الأحكام التي لا تصل إليها أذهانهم وإدراكاتهم .
وعلى ضوء كلّ ذلك ، فالمحيط بحقيقة الأحكام وهي مجموع الإرادات التشريعية الإلهية التكوينية - فتكوينّيتها من جهة كونها إرادة وتشريعيّتها من جهة أنّ لها نحو تعلّق وصلة بفعل الغير - يستغني عن منظومة الاعتبار القانوني للحكم ، بل إنّ عالم الاعتبار ينتظم على نسق عالم التكوين للإرادات بحسب مدارجها وانشعابها بعضها عن البعض والأهمّ منها من المهمّ ، والمقدّم منها من المؤخّر ، والأشدّ من الأضعف ، وذات الأولوية من غيرها ، وذات الأمومة والأُصولة من غيرها ، وغيرها من الشؤون التي لا تظهر بوضوح من اُطُر القضايا الاعتبارية ، فَبَيْن العِلْمين تفاوت شاسع .
وهذا العلم بمنظومة الإرادات هو الذي قد استعمل في لسان الشرع من الآيات والروايات بلفظ ومعنى الولاية وهو أحد المعاني التي يطلق عليها الولاية وقد استعملها بنفس المعنى علماء الذوق والمعنى ، فإنّ لمنظومة الإرادات الإلهية أيضاً حقيقة تنطلق منها وهي ملاك الحكم من المصلحة والمفسدة الدنيوية والأخروية من العوالم المختلفة ، كما أشير إلى ذلك في علمي الأصول والكلام ، فإنّ في متعلّق الأحكام من الأفعال آثاراً دنيوية وهي النشأة الأولى وآثاراً في العُقبى من النشأة الأخرى من البرزخ والمحشر والصراط وغيرها من مَشاهد وعوالم
أسس النظام السياسي عند الإمامية — صفحة 114
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص١١٤