قال الله عز وجل : " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا
ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " .
فسماه الله صاحبا في كتابه ثم سماه النبي صلى الله عليه صديقه من بين
خلق الله ، حتى غلب على اسمه واسم أبيه ولقبه ونسبه ، حتى كان الناس
أيام رسول الله وبعد وفاته يقولون : قال على وفعل على ، وقال عثمان
وفعل عثمان ، وقال عمر وفعل عمر ، وقال طلحة وفعل طلحة ، وقال
الزبير وفعل ، وجميع العشرة الذين هم في الجنة ، حتى إذا صاروا إليه
قالوا : قال الصديق وقال أبو بكر الصديق ، وفعل أبو بكر الصديق .
ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، وهو القول الذي كان يعيده
في كل دار ومنزل : " ما أحد أمن علينا بصحبته وماله من أبى بكر "
وفى قوله : " ما أحد أمن علينا بصحبته وماله من أبى بكر " معان
كثيرة ، فهمه الناس أم ذهبوا عنه . فهذا هذا .
ثم كان النبي عليه السلام بمكة ثلاث عشرة سنة ، في كل يوم
ذر شارقه يأتي منزل أبى بكر إما صباحا وإما مساء ، حتى كان اليوم الذي
أذن الله سبحانه له في الهجرة . وإنه أتاه مهجرا ( 1 ) فقال له أبو بكر :
بأبي أنت وأمي ، كيف جئت اليوم في هذا الوقت ؟ ! ونزل عن سريره
وجلس النبي صلى الله عليه وسلم وجلس أبو بكر بين يديه ، قال النبي :
هل عندك أحد ؟ قال : لا ، يا رسول الله ، إلا أسماء وعائشة . قال :
" فإن ربى قد أذن لي في الهجرة " . فصان صحبته من خلق الله غيره .
ثم لم يعلم بخروجه غير ابنتيه أسماء وعائشة ، وغير ابنه عبد الله
ابن أبي بكر قتيل يوم الطائف ، وكان هو الذي يتجسس لهما الاخبار
ويأتي بها إليهما في الغار ، لأنهما استخفيا في الغار ثلاثا ولم يطلعا على
هامش
( 1 ) التهجير : السير في الهاجرة . وهى نصف النهار عند زوال الشمس .