والصبور ، وربما كان السبب الدين ، ولكن لا يبلغ الرجل بقوة الدين
في قلبه ما لم يشيعه بعض ما ذكرناه أن يمشى إلى السيف ، لان الدين
مكتسب مجتلب ، وليس بأصلي ولا طبيعي ، ولان ثوابه مؤجل ، والخصال
التي ذكرناها طبيعية أصلية . وثوابها معجل .
وقد يكون مع الانسان أسباب محذرة مجبنة ، فيكون ركونه ( 1 ) وجلوسه
طباعا لا يمتنع منه . وربما كانت الأسباب من المشجعات والمجبنات
سواء ، فيكون جلوسه عن الحرب وقتاله فيها اختيارا ، وربما فضلت قوى
مشجعاته حتى يكون إقدامه أشرا ومرحا . واهتزازا وطباعا ، ولا يكون
ذلك طاعة وإن كان في الحكم طاعة . وكذلك الجبن إذا أفرط على
صاحبه حتى يكون فراره * * ) . طباعا لا يكون معصية وإن كان
في الحكم معصية .
ولم نرد بهذا الكلام تنقص على رحمه الله ولا إخراجه من الغناء
واحتمال المكروه . كما لم نرد تنقص الزبير وأبى دجانة وابن عفراء ومحمد
ابن مسلمة ، ولكن هكذا صفة المستطيع المكلف ، والمطيع والعاصي .
وإذا كان مع صاحب الاقدام من الأمور المشجعة أمور فاضلة على
أسباب جبنه وجلوسه ، كان عند الله غير مأجور وإن كان في الحكم
الظاهر مأجورا .
هامش
( 1 ) في الأصل : " ركوبه " تحريف .
* * ) أوجز الإسكافي هذه العبارة وما ورد في صفحة 47 س 7 من قوله
" لان النفس المستطيعة " على هذه الصورة . كما ورد عند ابن أبي الحديد 3 : 278 -
279 : " قال الجاحظ : فصاحب النفس المختارة المعتدلة يكون قتاله طاعة وفراره معصية .
لان نفسه معتدلة كالميزان في استقامة لسانه وكفتيه ، فإذا لم يكن كذلك كان إقدامه طباعا
وفراره طباعا " ثم رد عليها بالرد رقم ( 21 ) .