فإن قالوا : فهل يلزمها فرض الإقامة إذا كانت العامة كافة عن
العون عليها .
قلنا : قد يلزمها في ذلك ولا يلزمها في أخرى .
وإن قالوا : ففي أية الحالين يلزمها ؟
قلنا : إذا كان المستحق للإمامة والمستوجب للخلافة معروف الموضع ،
مكشوف الامر ، وكانت التقية عنها زائلة .
فإن قالوا : وكيف لا تكون التقية عنها زائلة ، وهى على حال أكثر
عددا من جند المتغلب والباغي ، والعامة كافة ممسكة لا لها ولا عليها .
قلنا : إنه ليس في حال أكثر عددا . فإذا كانوا أكثر عددا
وكانت التقية زائلة ، فعليهم إقامته .
فإن قالوا : فلم جعلتم لهم التقية ، وأسقطتم عنهم الفرض في الحال التي
هم فيها أكثر عددا ؟
قلنا : لأسباب ، منها أن العدو إذا كان معدا ، ذا سلاح وعتاد
وكراع ، وكانوا على هيئة وأمرهم جميع ، فقليل مجتمع أكثر من
كثير نشر ( 2 ) . مع أن معهم أنفذ السلاحين ، وأوفر العتادين : الضرا ( 1 )
والدربة ، وحسن التدبير والمعرفة ، بطول الممارسة وكثرة الحاجة .
ومنها أن الخاصة وإن عرفت موضع المستحق ، وظهر لها المستوجب ،
وكانوا أكثر جماحا ، فكل واحد منهم على ثقة من محل صاحبه به ( 3 )
وخذلانه له . ولابد ، ما دامت التقية ، من التواكل والتخاذل ، وإن
هامش
( 1 ) ضري بالشئ ضرا : لهج به وصار عادة له .
( 2 ) النشر : المتفرق . ( 3 ) المحل والمحال : المكر والكيد .