اتفق رأى الجميع في المغيب على النصرة . وليس ينتفع باتفاق أهوائهم
ما لم يتشاعروا ( 1 ) .
فإن قالوا : إن كان الامر كما تصفون وجب ألا يقيموا إماما أبدا ،
لأنهم كما لا ينفكون من التقية ، كذلك لا ينفكون من التخاذل .
قلنا : ليس الامر كما تقولون ، لان تقية بعض الخاصة لبعض قد
تزول بأسباب كثيرة : منها أن تسوء سيرة المتسلط الباغي فيهم ويفحش
جوره ، ويكثر تعضيله ( 2 ) واستئثاره وقهره ، حتى يكون ذلك إحراجا
لهم وسببا للكلام والشكاية والتلاقي ، لأنهم قد عموا بالاحراج معا
ليكون كل واحد من المحرجين يتكل على رأى صاحبه . لعلمه بالذي
لقى من المكروه الذي هو فيه ، من ثوران النفس وتهييج الطبيعة ، فلا
يزال بهم ذلك حتى يتفقوا في الظاهر كاتفاقهم في الباطن ، إذ كان
الاحراج قد شملهم وعمهم . وبلغ أقصاهم بعد أدناهم . وعند التلاقي
تزداد النفوس حمية وغضبا وبصيرة . فإذا تباثوا وتكاشفوا وشاع ذلك
من شأنهم ، وشهر من أمرهم ، علموا أن ذلك قد ظهر لعدوهم ،
والمتسلط عليهم . فإذا علموا ذلك علموا أنهم قد لحجوا في الحرب ،
ونشبوا في المناصبة . فإذا علموا ذلك لم يجدوا بدا من بذل المال .
وإعطاء الجهد . وإنما هي أسباب ترامى ، وعلل تداعى ، وأمور تهيج
أمورا ، وأسباب توجب أفعالا ، فعند ذلك تمكن الشدة ، ويجب الفرض .
هامش
( 1 ) في أساس البلاغة مادة ( شعر ) : " وتقول : بينهما معاشرة ومشاعرة " .
( 2 ) التعضيل : أن يضيق عليه ويحول بينه وبين ما يريد . وفى الأصل " تعطيله " تحريف .
( 3 ) في الأصل : " إخراجا لهم " .