[ لا ] تخلو عقول العوام من أن تكون قد عرفت هذا كله وأقرت به ،
أو لم تعرفه ولم تقر به ، ولم تودع العلم بصحة مجيئه .
فإن زعموا أنها لم تعرف ذلك ولم تقرر به ، قيل لهم : فمن أين
زعمتم أن الحجة لهم قاطعة ، والفريضة لهم لازمة ، ولا يعرفوا الحق
ولا الدليل عليه .
وإذا كانت المعرفة لا تستطاع إلا بالدليل ، والدليل معدوم . والتكليف
لازم ، فقد كلفوا ما لا يستطاع ، ولم يضع الكلام بيننا وبين الجبرية .
وإن كان الله قد قرر ( 1 ) عقولهم بالآيات ، وعرفهم صدقها وصحة مجيئها ،
فإنما الفرق بيننا وبينهم أنا نزعم أن العاقل إذا كان قد جرب بعض
التجربة أنه لا يمتنع من تصديق من أحيا الموتى ، وأبرأ الأكمه ، وفلق
البحر ، وأنطق السباع . وأنتم تزعمون أنه يمتنع ، ويجوز أن يعتقد أنه
أكذب العالمين وأبطل المبطلين ، مع ما أراه ( 2 ) من عظيم البرهان وعجيب
الآيات . ولعل قوم موسى كلما زادهم موسى آية وأردفها بعلامة ،
ازدادوا جهلا بصدقه ( 3 ) واستبصارا في تكذيبه .
وكيف يستطيع ذلك من صحت فطرته ، وقد جرب من أمور الدنيا
بعض التجربة ، وعرف ما يحدث في العادة وغير العادة .
وإن كانت العامة قد قررت بأعلام الأنبياء ، وعرفت الآيات كما
زعمتم ، فقد كان ينبغي لنا إذا سألناهم عن صدقها وصحة مجيئها وإن لم
نفصل بينها وبين جبلة المبطل ، أن يخبرونا عنها وينزلوا لنا أمرها . فما بالنا
هامش
( 1 ) في الأصل : " قدر " . وانظر ص 261 س 6 .
( 2 ) أي ما أراه إياه محي الموتى ومبرئ الأكمه .
( 3 ) في الأصل : " فصدقه " .