الغلبة من قهر المعرفة ، ويعرف كيد المريب وبعد غور المتنبي ، وكيف
يلبس على العقلاء ، ويستميل عقول الدهماء ( 1 ) ، ويعرف الممكن في الطبائع
من الممتنع فيها ، وما يحدث بالاتفاق وما يحدث ( 2 ) بالأسباب ، ويعرف
أقدار القوى في مبلغ الحيلة ومنتهى البطش ، ومالا يحتمل إحداثه إلا
الخالق ، وما يجوز على الله مما لا يجوز في توحيده وعدله ، وكيف التحفظ
من الهوى ، وكيف الاحتراس من تقدم الخادع في الحيلة - كان كونه
بهذه الحال وعلى هذه الصفة مع فرط الصبا والحداثة ، وقلة التجارب
والممارسة ، خروجا من نشوء العادة ، والمعروف مما عليه تركيب الأمة ( 3 ) .
ولو كان على هذه الصفة ومعه هذه الخاصية ، كان حجة على العامة ،
وآية تدل على المباينة ، ولم يكن الله ليخصه بمثل هذه الآية وبمثل هذه
الأعجوبة إلا وهو يريد أن يحتج بها له ، ويخبر بها عنه ، ويجعلها
قاطعة لعذر الشاهد ، وحجة على الغائب ، ولا يضيعها هدرا ، ولا
يكتمها ( 4 ) باطلا .
ولو أراد الاحتجاج بها شهر أمرها وكشف قناعها ، وحمل النفوس
على معرفتها ، وسخر الألسنة لنقلها ، والاسماع لادراكها ، لئلا يكون
لغوا ساقطا ، ونسيا منسيا ، لان الله لا يبتدع أعجوبة ولا يخترع آية
ولا ينقض العادة إلا للتعريف والاعذار ، والمصلحة والاستبصار ( 5 ) . ولولا
هامش
( 1 ) دهماء الناس : جماعتهم وكثرتهم . وفى الأصل : " الدهم " صوابه في ب ، ح .
( 2 ) ب ، ح : " مما يحدث " .
( 3 ) هذا ما في ب ، ح . وفى الأصل : " تركبت الأمة " .
( 4 ) ب : " ولا يكتبها " .
( 5 ) هذا ما في ب ، وهو الأشبه بلغة الجاحظ . وفى الأصل : " الاستنفاذ " .