قالوا : كان على وهو ابن سبع سنين أرجح عقلا من أبى بكر وهو ابن
إحدى وأربعين سنة . فتركوا العيان وعارضوا الشاهد بالغائب .
وإن قال قائل : إن أبا بكر كان مع النبي في الغار وقد نطق به
القرآن وثبته الاجماع . قالوا : فإن عليا أباته النبي على فراشه .
وإن قلت : إن النبي سمى أبا بكر بالصديق تفضيلا له ولم يجعل له اسما
يفضله به . قالوا : بلى ، قد كان النبي سماه الصديق الأكبر ، ولكن
الناس منعوه ذلك وظلموه ، حين لم يسيروه ويشيعوه .
وإن قلت : إن النبي اشتكى أياما وليالي ، كل ذلك يأمر أبا بكر
بالصلاة ، وهو حاضر ولا يأمره ، قالوا : لان عليا كان مشغولا بتمريضه .
وإن قلت : إن الناس لما افتتنوا بعد موت النبي وعظموا شأنه
حتى دعاهم الافراط إلى أن قالوا : لم يمت ، ولكنه يغيب مثل ما غاب موسى
عن قومه . فكان أبو بكر هو المتكلم والمحتج والمحامى حتى عرفهم الحق
وتنبهوا من الوسنة . قالوا : لان عليا قد كان اشتد حزنه حتى قطعه
عن الاحتجاج والتعريف .
فإن قلت : حين أظهروا الفرقة والدار دارهم . لو تركهم أبو بكر
ولم يعرفهم فضل المهاجرين عليهم . لكان في ذلك أشد الفتنة وأكبر
الفساد ، فعاجلهم وتجرد للاحتجاج عليهم ، حين كان كل إنسان همه
هم نفسه ، وعلى بمعزل حتى كأنه كان غائبا . قالوا : لان عليا قد كان
عرف حسد قريش وبغيها عليه ، وطاعتها وحبها لأبي بكر ، فلم يكن
ليقدح في غير مقدح ، أو ينفخ في غير فحم .
العثمانية — صفحة 239
مساهمون: الجاحظ
ص٢٣٩