فمن ذلك أنه لما أتى بسيف كسرى وقبائه ومنطقته ألبسه سراقة
ابن مالك بن جعشم ، ثم قال له : أدبر ، ثم قال له : أقبل ، فلما
أقبل عليه عمر وعنده الناس فقال : أما والله لرب يوم لو كان هذا
من كسرى وآل كسرى لكان شرفا لك ولقومك ، في أمور كثيرة
من هذا الضرب لم يكن عمر لينطق بحرف منها وحربهم مخوفة ،
ونفوس العرب لهم هائبة .
وهكذا تدبير الخلفاء ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، ولو كانوا إذا
لم يفهموا عن الأئمة لم يعترضوا عليهم ولم يخطئوهم ولم يجهلوهم كان أيسر .
ولا أعلم في الأرض جيلا أجهل بهذا وشبهه ممن ينتحل اسم الكلام
وينصب نفسه للخصومات . ثم الروافض خاصة ، ليس يعرفون من أمر
الامام إلا أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون .
ومن الدليل على ما وصفنا به عمر ، قوله لسعد بن أبي وقاص
حيث وجهه إلى القادسية وأوصاه ، قال : يا سعد سعد بن وهيب ( 1 ) إن
الله عز وجل إذا أحب عبدا حببه إلى الناس ، فاعتبر منزلتك من الله
بمنزلتك أن يقال خال رسول الله صلى الله عليه ، فإن الناس في ذات
الله سواء .
فأي قول أجمع وأدل ، وأي فعل أشبه بالذي حكينا عنه من
التسوية ، من هذه الأقاويل ( 2 ) والأفاعيل .
هامش
( 1 ) هو سعد بن مالك بن وهيب - أو أهيب - بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب
انظر ما مضى في ص 56 .
( 2 ) في الأصل : " الأوايل " .