فهكذا كانت عطاياه ، وهكذا كان تدبيره فيما نقلت العلماء وروت
الفقهاء ، ولا يشك في ذلك صاحب خبر ، ولا يدفعه صاحب أثر .
فأما ما ذكروا من تهجينه أمر العجم . وتعظيمه أمر العرب ، فإنما
كان ذلك لأنه لما ندب الناس إلى قتال كسرى والأساورة تثاقلت عن
ذلك العرب والاعراب وجميع المهاجرين والأنصار ، هيبة لناحية كسرى
والفرس ، وخفوا لغزو الروم ونشطوا له ، حتى انتدب أبو عبيد الثقفي
أول من انتدب ، فلذلك عقد على كبار المهاجرين الأولين ،
والأنصار ، والبدريين ، فلم يكن له هم إلا تصغير أمرهم وتهجين شأنهم
والحط من أقدارهم ليرد ذلك من نفوس العرب .
وهكذا ينبغي أن يكون تدبير المدبر .
أو ما علمت أن المغيرة بن شعبة لما سمع قيس بن مكشوح يقول
حين عاين الفرس : وما رأيت كاليوم حديدا ولا عديدا ! وهذا يوم
القادسية ، وقد كان قيس شهد قبل القادسية حروب الروم ، وقيس
يومئذ على الخيل ، والمغيرة على الرجالة ، فأقبل عليه المغيرة منتهرا له
وهو يقول : إنما هذا زبد من زبد الشيطان ( 1 ) !
وقد كان المغيرة قد عاين مثل الذي عاين قيس ، ولكن التدبير
كان غير الذي ذهب إليه قيس .
ومن الدليل على ما وصفنا من تدبير عمر ، تركه الاستخفاف بأقدار
العجم وإظهار احتقارهم والإزراء بهم ، بعد جلولاء ( 2 ) .
هامش
( 1 ) الزبد ، بالفتح : الرفد والعطاء .
( 2 ) كان بها الوقعة المشهورة للمسلمين على الفرس سنة 16 قتلوا منهم مائة ألف .
معجم البلدان والطبري 4 : 179 .